الحلبي
355
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
تُفْلِحُونَ ( 90 ) [ المائدة : الآية 90 ] فكف الناس عن شربها . وقد جاء أن حمزة رضي اللّه عنه لما شربها قال للنبي صلى اللّه عليه وسلم ومن معه هل أنتم إلا عبيد لأبي ؟ أي ففي البخاري « أن حمزة رضي اللّه عنه لما شرب الخمر خرج فوجد ناقتين لعلي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه ، فعلاهما بالسيف وبقر خواصرهما ، ثم أخذ من أكبادهما وجبّ سناميهما . قال علي كرم اللّه وجهه : فنظرت إلى منظر أفظعني ، فأتيت نبيّ اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعنده زيد بن حارثة فأخبرته الخبر ، فخرج صلى اللّه عليه وسلم ومعه زيد ، فانطلقت معه فدخل على حمزة فتغيظ عليه ، فرفع حمزة رضي اللّه عنه بصره وقال : هل أنتم إلا عبيد لأبي ، فرجع النبي صلى اللّه عليه وسلم يقهقر حتى خرج وذلك قبل تحريم الخمر ، ولكون السكر كان مباحا لم يرتب على قول حمزة مقتضاه مع أن من قال لنبي أنت عبدي أو عبد أبي كفر . واعترض القول بأنها في السنة الرابعة ، بأن أنس بن مالك كان ساقيا لها ، فلما سمع المنادي بتحريمها أراقها . وفي البخاري عن أنس رضي اللّه عنه : وإني لقائم أسقي أبا طلحة وفلانا وفلانا : أي أبا أيوب وأبا دجانة ومعاذ بن جبل وسهيل ابن بيضاء وأبيّ بن كعب وأبا عبيدة بن الجراح رضي اللّه عنهم ، إذ جاء رجل وقال : هل بلغكم الخبر ؟ قالوا : وما ذاك ؟ قال : حرمت الخمر ، قالوا : أهرق هذه القلال يا أنس فأهريقت . وفي لفظ قال أنس رضي اللّه عنه : فقمت إلى مهراس فضربتها بأسفله حتى تكسرت . وفي مسلم عن أبي طارق رضي اللّه عنه أنه قال : يا رسول اللّه إنما أصنعه : أي الخمر للدواء ، فقال : إنه ليس بدواء ولكنه داء ، وإراقة الخمر حينئذ مع أنها كانت مباحة فهي محترمة تغليظ وتوكيد للتحريم وفطم للنفوس ، لأن إراقتها لم تكن بأمر منه صلى اللّه عليه وسلم . وسئل الحافظ السيوطي رحمه اللّه عن حكمة رجوعه صلى اللّه عليه وسلم القهقرى ، فأجاب بأنه لعله كان من خوف الوثوب عليه إرشادا لمن يخاف الوثوب ، أو كان مقصوده صلى اللّه عليه وسلم مداومته لحظه ، أو أن الراوي أراد بالقهقرى مطلق الرجوع إلى المنزل لا بالظهر . وأنس رضي اللّه عنه لم يكن خادما للنبي صلى اللّه عليه وسلم حينئذ : أي في السنة الرابعة بل بعدها . وحينئذ يكون القول بأن كونه في الثالثة أشكل . وأشكل من هذا ما حكاه ابن هشام في قصة الأعشى بن قيس أنه خرج إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فلما كان بمكة اعترضه بعض المشركين من قريش ، فسأله عن أمره ، فأخبره أنه جاء يريد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال له : يا أبا نصير إنه يحرم الزنا . فقال الأعشى : واللّه إن ذلك لأمر ما لي فيه من أرب ، فقال : إنه يحرم الخمر . فقال