الحلبي

356

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

الأعشى : أما هذه إن في النفس منها لغلالات ، ولكني منصرف فأتروّى منها عامي هذا ، ثم آته فأسلم ، فانصرف فمات في عامه ذلك ولم يعد إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، هذا كلامه لما علمت أن الخمر لم تحرم بمكة وإنما حرمت بالمدينة في السنة الثالثة أو الرابعة . وأجاب بعضهم بأن الأعشى أراد المدينة فاجتاز بمكة ، فعرض له بعض كفار قريش . واعترض بأنه قيل إن القائل له ذلك أبو جهل لعنه اللّه وكان في دار عتبة بن ربيعة وأبو جهل قتل ببدر في السنة الثانية . وأجيب بأنه على تسليم صحة ذلك بأنه يجوز أن يكون أبو جهل لعنه اللّه قصد صد الأعشى عن الإسلام بطريق التقول والافتراء ، لأنه كان يعرف ميل الأعشى إلى الخمر وعدم صبره على تركها ، فاختلق هذا القول من عنده ليمنعه بذلك عن الإسلام . أقول : لما حرمت الخمر قال بعض القوم : قتل قوم وهي في بطونهم أي لأن جماعة شربوها صبح يوم أحد قتلوا من يومهم شهداء ، فأنزل اللّه تعالى لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا [ المائدة : الآية 93 ] وكون أنس رضي اللّه عنه لم يكن خادما للنبي صلى اللّه عليه وسلم إلا بعد السنة الرابعة يخالف ما سبق أن عند قدومه صلى اللّه عليه وسلم المدينة جاءت به أمه ليخدمه صلى اللّه عليه وسلم . وفي البخاري عن أنس رضي اللّه عنه قال « قدم النبي صلى اللّه عليه وسلم المدينة ليس له خادم ، ثم أخذ أبو طلحة بيدي فانطلق بي إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : يا رسول اللّه إن أنسا غلام كيس فليخدمك فخدمته صلى اللّه عليه وسلم في السفر والحضر » وتقدم الجمع بين كون الآتي به أبا طلحة والآتي به أمه . وفي البخاري أيضا عن أنس رضي اللّه عنه « أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال لأبي طلحة : التمس لي غلاما من غلمانكم يخدمني حين أخرج إلى خيبر ، فخرج بي أبو طلحة مردفي وأنا غلام راهقت الحلم ، فكنت أخدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا نزل » . وقد يقال : لا منافاة لأنه يجوز أن يكون صلى اللّه عليه وسلم لم يأمر أنسا بالخروج معه إلى خيبر لظنه أن أمه لا تسمح له بذلك ، فلما قال لأبي طلحة ما ذكر جاء إليه بأنس رضي اللّه عنه ، واللّه أعلم . غزوة بني النضير وهم قوم من اليهود بالمدينة . وفي كلام بعضهم : بنو النضير هؤلاء حي من يهود خيبر ، أي وقريتهم كان يقال لها زهرة .