الحلبي

316

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

ولا مخالفة أيضا بين كون الحاصل من الطعنة خدشا مع اعتنائه صلى اللّه عليه وسلم بالطعنة وناهيك بعزمه صلى اللّه عليه وسلم ، لأن كون الخدش في الظاهر ، أي بحسب ما يظهر للرائي والشدة في الباطن أقوى في النكاية . ودليل وجود الشدة في الباطن وقوعه مرارا ، وكونه خار كالثور الذي يذبح ، وكون الطعن في العنق يفضي إلى كسر الضلع من خوارق العادات ، لكن رأيت في رواية أنه ضرب تحت إبطه فكسر ضلعا من أضلاعه . وقد يقال يجوز أن تكون الحربة نفذت من المكان المذكور . قال في النور : ولم يقتل بيده الشريفة صلى اللّه عليه وسلم قط أحدا إلا أبي بن خلف لا قبل ولا بعد ، ثم مات عدوّ اللّه وهم قافلون به إلى مكة : أي بسرف بفتح السين المهملة وكسر الراء ، وهو المناسب لوصفه لأنه مسرف وقيل ببطن رابغ . فعن ابن عمر رضي اللّه عنهما أنه قال « إني لأسير ببطن رابغ بعد هدّو من الليل إذا نار تأجج لي لهبها ، وإذا رجل يخرج منها في سلسلة يجتذب بها يصيح العطش ، وناداني : يا عبد اللّه ، فلا أدري أعرف اسمي ، أو كما يقول الرجل لمن يجهل اسمه يا عبد اللّه ؟ فالتفت إليه ، فقال : اسقني ، فأردت أن أفعل ، وإذا رجل وهو الموكل بعذابه يقول : لا تسقه هذا قتيل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، هذا أبيّ بن خلف لعنه اللّه » رواه البيهقي . ويدل لهذا ما جاء في الحديث « كل من قتله نبي أو قتل بأمر نبي في زمنه يعذب من حين قتل إلى نفخ الصعقة » وجاء « أشدّ الناس عذابا من قتله نبي » أي وفي رواية « اشتد غضب اللّه عز وجل على رجل قتله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فسحقا لأصحاب السعير » . وفي رواية « اشتد غضب اللّه عز وجل على رجل قتله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في سبيل اللّه » أي لأن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مأمورون باللطف والشفقة على عباد اللّه ، فما يحمل الواحد منهم على قتل شخص إلا أمر عظيم ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أكملهم لطفا ورفقا وسعة بعباد اللّه . وفي شرح التقريب احترز بقوله في سبيل اللّه عمن يقتله حدا أو قصاصا لأن من يقتله رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في سبيل اللّه كان قاصدا قتله صلى اللّه عليه وسلم ، وقد اتفق ذلك لأبيّ بن خلف لعنه اللّه ، وقد تقدم أن ابن مرزوق رحمه اللّه ذكر أن ابن عمر مرّ ببدر فإذا رجل يعذب ويئن ، فناداه يا عبد اللّه ، فالتفت إليه فقال اسقني ، فأردت أن أفعل فقال الأسود الموكل بتعذيبه . لا تفعل يا عبد اللّه ، فإن هذا من المشركين الذين قتلهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أي أصحابه ، رواه الطبراني في الأوسط ، ولا بعد في تعدد الواقعة . ثم رأيت في الخصائص الكبرى ما يقتضي التعدد فإنه ذكر فيها أن ابن عمر رضي اللّه عنهما ذكر ذلك : أي مروره ببدر للنبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأنه صلى اللّه عليه وسلم قال له ذلك أبو جهل ، وذلك عذابه إلى يوم القيامة . وقد ذكرت ذلك في الكلام على غزوة بدر .