الحلبي
293
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ [ الأحزاب : الآية 37 ] الآية ، فهذه الآية نزلت في زيد رضي اللّه عنه وقد قالها صلى اللّه عليه وسلم في حق ولده أسامة ، فقد جاء « أحب أهلي إليّ من أنعم اللّه وأنعمت عليه أسامة بن زيد وعلي بن أبي طالب » فنعمة اللّه على زيد وعلى ولده أسامة الإسلام . ونعمة النبي صلى اللّه عليه وسلم عليهما العتق ، لأن عتق أبيه عتق له تأمل . وإنما توجه هذا العتب أي لأن اللّه تعالى كان أعلم نبيه أن زينب ستكون من أزواجه صلى اللّه عليه وسلم ، فلما شكا إليه زيد قال له أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ [ الأحزاب : الآية 37 ] وأخفى منه في نفسه ما اللّه مبديه ومظهره ، وهو ما أعلمه اللّه به من أنك ستتزوّجها ، فالذي أخفاه ما كان اللّه أعلمه به وَتَخْشَى النَّاسَ [ الأحزاب : الآية 37 ] أي اليهود والمنافقين أن يقولوا تزوج امرأة ابنه وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ [ الأحزاب : الآية 37 ] في إمضاء ما أحبه ورضيه لك وأعطاك إياه . وقد جعل اللّه تعالى طلاق زيد لها وتزوّج النبي صلى اللّه عليه وسلم إياها لإزالة حرمة التبني . قال تعالى لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ [ الأحزاب : الآية 37 ] . وأو لم صلى اللّه عليه وسلم عليها بما لم يولم به على نسائه وذبح شاة وأطعم ، فخرج الناس وبقي رجال يتحدّثون في البيت بعد الطعام ، فشق ذلك على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ففي البخاري « فجعل النبي صلى اللّه عليه وسلم يخرج ثم يرجع وهم قعود يتحدثون » وفي البخاري أيضا « فخرج النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فانطلق إلى حجرة عائشة ، فقال : السلام عليكم أهل البيت ورحمة اللّه وبركاته ، فقالت : وعليك السلام ورحمة اللّه وبركاته كيف وجدت أهلك ، بارك اللّه لك ، ثم دخل حجر نسائه كلهنّ يقول كما قال لعائشة ، ويقلن له كما قالت عائشة . ثم رجع النبي صلى اللّه عليه وسلم فوجد القوم في البيت يتحدثون قال أنس رضي اللّه تعالى عنه : وكان النبي صلى اللّه عليه وسلم شديد الحياء ، فخرج فطلبها إلى حجرة عائشة ، فأخبر أن القوم خرجوا ، فرجع حتى وضع رجله في أسكفة البيت داخله وأخرى خارجه أرخى الستر بيني وبينه فنزلت آية الحجاب » . قال في الكشاف وهي أدب اللّه تعالى به الثقلاء . وفي مسلم عن عائشة رضي اللّه تعالى عنها قالت « خرجت سودة بعد ما ضرب علينا الحجاب تقضي حاجتها أي بالمناصع : محل كان أزواجه صلى اللّه عليه وسلم يخرجن إليه بالليل للتبرز ، وكانت امرأة جسيمة ، فرآها عمر بن الخطاب ، فقال : يا سودة واللّه ما تخفين علينا فانظري كيف تخرجين ، فانكفأت راجعة ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في بيتي ليتعشى وفي يده عرق ، فدخلت ، فقالت : يا رسول اللّه إني خرجت ، فقال لي عمر كذا وكذا ، قالت : فأوحى اللّه تعالى إليه ، ثم رفع عنه وإن العرق في يده ما وضعه ، فقال : إنه قد أذن لكنّ أن تخرجن لحاجتكن » وكان قول عمر لسودة ما ذكر حرصا على أن ينزل الحجاب . قالت عائشة رضي اللّه تعالى عنها ، فأنزل اللّه الحجاب ، وفيه أنه تقدم