الحلبي

29

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

قدمت المدينة مع زوجها ، فلا منافاة . وفي كلام ابن الجوزي : أول من هاجر إلى المدينة من النساء أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ، واللّه أعلم . قال : بينت : أي أم سلمة ما تقدم عنها في حق عثمان بن طلحة بقولها : فإنه لما رآني قال : إلى أين ؟ قلت : إلى زوجي ، قال : أو ما معك أحد ؟ قلت لا ، ما معي إلا اللّه وابني هذا ، فقال : واللّه لا أتركك ، ثم أخذ بخطام البعير وسار معي ، فكان إذا وصلنا المنزل أناخ بي ثم استأخر ، فإذا نزلت جاء وأخذ بعيري فحط عنه ثم قيده في الشجرة ، ثم أتى إلى شجرة فاضطجع تحتها ، فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فرحله وقدمه ثم استأخر عني وقال اركبي ، فإذا ركبت أخذ بخطامه فقادني ا ه . أي وقد قال فقهاؤنا : من الصغائر مسافرة المرأة بغير زوج ولا محرم ولا امرأة ثقة في غير الهجرة وفرض الحج والعمرة ؛ أما في ذلك فيجوز حيث أمنت الطريق . وقولنا لا معهم لا ينافي أن أول من قدم المدينة من أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم مصعب بن عمير ، لأن قدومه كان معهم على ما تقدم أو يقال : أبو سلمة أول من قدم المدينة بوازع طبعه . وأما مصعب فكان بإرسال منه صلى اللّه عليه وسلم . ثم رأيت في السيرة الهشامية : أول من هاجر إلى المدينة من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من بني مخزوم أبو سلمة ، وعليه فلا إشكال . ثم جاء عمار وبلال وسعد . وفي رواية : ثم قدم أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أرسالا بعد العقبة الثانية فنزلوا على الأنصار في دورهم فأووهم وواسوهم ، ثم قدم المدينة عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه وعياش بن أبي ربيعة في عشرين راكبا . وكان هشام بن العاص واعد عمر بن الخطاب أن يهاجر معه وقال : تجدني أو أجدك عند محل كذا ، فتفطن بهشام قومه فحبسوه عن الهجرة . وعن عليّ رضي اللّه تعالى عنه قال : ما علمت أحدا من المهاجرين هاجر إلا مختفيا إلا عمر بن الخطاب رضي اللّه تعالى عنه ، فإنه لما همّ بالهجرة تقلد بسيفه وتنكب قوسه وانتضى في يديه أسهما واختصر عنزته : أي وهي الحربة الصغيرة علقها عند خاصرته ومضى قبل الكعبة والملأ من قريش بفنائها ، فطاف بالبيت سبعا ، ثم أتى المقام فصلى ركعتين ، ثم وقف على الحلق واحدة واحدة ، فقال : شاهت الوجوه ، لا يرغم اللّه إلا هذه المعاطس : أي الأنوف ، من أراد أن تثكله أمه : أي تفقده ، أو يوتم ولده ، أو ترمل زوجته فيلقني وراء هذا الوادي ، قال عليّ رضي اللّه تعالى عنه : فما تبعه أحد ثم مضى لوجهه . ثم إن أبا جهل وأخاه شقيقه الحارث بن هشام رضي اللّه تعالى عنه - فإنه أسلم بعد ذلك يوم الفتح - قدما المدينة والنبي صلى اللّه عليه وسلم