الحلبي
30
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
بمكة لم يهاجر ، فكلما عياش بن أبي ربيعة وكان أخاهما لأمهما وابن عمهما كان أصغر ولد أمه ، وأخبراه أن أمه قد نذرت أن لا تغسل رأسها . وفي لفظ : ولا يمس رأسها مشط ولا تستظل من شمس حتى تراه ، أي وفي لفظ : أن لا تأكل ولا تشرب ولا تدخل مسكنا حتى يرجع إليها ، وقالا له وأنت أحب ولد أمك إليها ، وأنت في دين منه برّ الوالدين ، فارجع إلى مكة فاعبد ربك كما تعبده بالمدينة ، فرقت نفسه وصدّقهما : أي وأخذ عليهما المواثيق أن لا يغشياه بسوء ، وقال له عمر : إن يريدا إلا فتنتك عن دينك فاحذرهما ، واللّه لو آذى أمك القمل امتشطت ، ولو اشتد عليها حر مكة لاستظلت ، فقال عياش : أبرّ أمي ولي مال هناك آخذه ، فقال عمر : خذ نصف مالي ولا تذهب معهما ، فأبى إلا ذلك ، فقال له عمر : فحيث صممت فخذ ناقتي هذه فإنها نجيبة ذلول فالزم ظهرها ، فإن رابك منهما ريب فانج عليها ، فأبى ذلك وخرج راجعا معهما إلى مكة ، فلما خرجا من المدينة كتفاه بتخفيف التاء : أي شدّا يديه إلى خلف بالكتاف في الطريق . أي وفي السيرة الهشامية أنه أخذ الناقة وخرج عليها معهما ، حتى إذا كانوا ببعض الطريق ، قال له أبو جهل : يا أخي واللّه لقد استغلظت بعيري هذا ، أفلا تعقبني على ناقتك هذه ؟ قال بلى ، قال : فأناخ وأناخ ليتحول عليها ، فلما استووا بالأرض عدوا عليه وأوثقاه رباطا ودخلا به مكة نهارا موثقا . وقالا : يا أهل مكة ، هكذا فافعلوا بسفهائكم كما فعلنا بسفهائنا . وفي لفظ : بسفيهنا ، فحبس بمكة مع هشام بن العاص ، فإنه كما تقدم منع وحبس عن الهجرة ، وجعل كل في قيد . وفي لفظ : أنهما لما ذكرا له أن أمه حلفت أن لا يظلها سقف بيت حتى تراه ، وأعطياه موثقا أن لا يمنعاه وأن يخليا سبيله بعد أن تراه أمه ، فانطلق معهما حتى إذا خرجا من المدينة عمدا إليه فشداه وثاقا وجلداه نحوا من مائة جلدة ، وكان أعانهما عليه رجل من بني كنانة : أي يقال له الحارث بن يزيد القرشي وفي كلام ابن عبد البر أنه كان من يعذبه بمكة مع أبي جهل . وفي الينبوع : جلده كل واحد منهما مائة جلدة ، وأنه لما جيء به إلى مكة ألقي في الشمس ، وحلفت أمه أنه لا يحل عنه حتى يرجع عن دينه ففتن . قيل وكان ذلك سبب نزول قوله تعالى وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ [ العنكبوت : الآية 8 ] الآية . وفيه أنه تقدم أنها نزلت في سعد بن أبي وقاص ؛ إلا أن يقال يجوز أن يكون مما تكرر نزوله ، فتكون نزلت فيهما ، وحلف عياش ليقتلنّ ذلك الرجل إن قدر عليه . قيل ولم يزل عياش محبوسا حتى فتح رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مكة ، فخرج عياش فلقي ذلك الرجل الكناني وكان قد أسلم وعياش لا يعلم بإسلامه ، فقتله وأعلم النبي صلى اللّه عليه وسلم بذلك ، فأنزل اللّه تعالى وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً [ النّساء : الآية 92 ]