الحلبي

249

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

وصومهم وحجهم ، ولا تكليف عليهم في ذلك لانقطاع التكليف بالموت ، بل من قبيل التكرمة ووقع الدرجات هذا كلامه ، ولعل مستنده في إثبات ما عدا الصلاة والحج للأنبياء قياسهم على الشهداء ، وقد علمت ما فيه وإثبات الخلاف الذي ذكره شيخنا في نكاح الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا أدري هل هو خلاف أهل عصره أو من تقدمهم . على أن إثبات النكاح للأنبياء عليهم الصلاة والسلام ربما يبعده ما ذكروه في حكمة قوله صلى اللّه عليه وسلم « حبب إليّ من دنياكم النساء والطيب » حيث لم يقل من دنياي ولا من الدنيا ، فإنه أشار بهذه الإضافة إلى أن النساء والطيب من دنيا الناس لأنهم يقصدونهما للاستلذاذ وحظوظ النفس ، وهو عليه الصلاة والسلام منزه عن ذلك . وإنما حبب إليه النساء لينقلن عنه محاسنه ومعجزاته الباطنة والأحكام السرية التي لا يطلع عليها غالبا غيرهن وغير ذلك من الفوائد الدينية . وحبب إليه الطيب لملاقاته للملائكة ، لأنهم يحبونه ويكرهون الريح الخبيث ، لأن حقيقة الإكرام أن يحصل له في البرزخ ما كان يلتذ به في الدنيا ، ليكون حاله فيه كحاله في الدنيا . وفيه أن الحكمة المذكورة لا تناسب قوله صلى اللّه عليه وسلم « فضلت على الناس بأربع وعدّ منها كثرة الجماع » وهم كغيرهم في هذا التعلق متفاوتون بحسب مقاماتهم ، وإنه يعبر عن قوة هذا التعلق بعود الحياة ، ومنه ما ذكر عن قتادة وتعود الروح ، ومنه قول بعضهم : أرواح الأنبياء والشهداء بعد خروجها من أجسادها تعود إلى تلك الأجسام في القبر ، وأذن لهم في الخروج من قبورهم والتصرف في الملكوت العلوي والسفلي . ومن ثم قال ابن العربي رحمه اللّه تعالى : رؤية المصطفى عليه الصلاة والسلام بصفته العلوية إدراك له على الحقيقة ، وعلى غير صفته العلوية إدراك للمثال ويعبر عنه بردها . ومنه قوله صلى اللّه عليه وسلم « ما من أحد يسلم عليّ إلا رد اللّه تعالى عليّ روحي حتى أرد عليه السلام » أي إلا قوي تعلق روحي ، وذلك إكراما لهذا المسلم حيث لا يردّ عليه سلامه إلا وقد قوي تعلق روحه الشريفة بجسده الشريف ، والروح بناء على أنها غير عرض مع كونها في مقاماتها لها تعلق بجسدها وبما يبقى منه كما تقدم ، كالشمس في السماء الرابعة ولها تعلق بالأرض ، وربما عبر عن ضعف هذا التعلق بصعودها وطلوعها ، وبناء على أنها عرض تزول ويعود مثلها ، وقد أوضحت ذلك في « النفحة العلوية في الأجوبة الحلبية عن الأسئلة القروية » وهي أسئلة سئلت عنها من بعض أهل