الحلبي
235
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
أولانا بالحق فانصره اليوم ، فأنزل اللّه تعالى إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ [ الأنفال : الآية 19 ] . أقول : كون أبي جهل طلب الحكم على نفسه واضح لو سكت عن قوله وأتانا بما لا نعرف ، إذ هو نص فيه صلى اللّه عليه وسلم . وفي تفسير سهل أن أبا جهل قال يوم بدر : اللهم انصر أفضل الدينين عندك وارضاهما لك ، أي وفي رواية اللهم انصر خير الدينين ، اللهم ديننا القديم ودين محمد الحادث ، فنزل إِنْ تَسْتَفْتِحُوا [ الأنفال : الآية 19 ] يعني تستنصروا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ [ الأنفال : الآية 19 ] . وفي أسباب النزول للواحدي أن المشركين حين أرادوا الخروج من مكة أخذوا بأستار الكعبة وقالوا : اللهم انصر أعلى الجندين ، وأهدي الفئتين ، وأكرم الحزبين ، وأفضل الدينين ، فأنزل اللّه تعالى الآية . وقد روي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم « أنه كان يستفتح بصعاليك المهاجرين » واللّه أعلم . قال معاذ بن عمرو بن الجموح : رأيت أبا جهل وقد أحاطوا به وهم يقولون أبو الحكم لا يخلص إليه ، فلما سمعتها عمدت نحوه وحملت عليه فضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه : أي أسرعت قطعه ، فو اللّه ما شبهتها حين طاحت إلا بالنواة تطيح من تحت مرضخة النوى ، والمرضخة : بالخاء المعجمة وبالمهملة . وقيل الرضخ بالمعجمة : كسر الرطب ، وبالمهملة كسر اليابس ، وضربني ابنه أي عكرمة رضي اللّه تعالى عنه فإنه أسلم بعد ذلك على عاتقي فطرح يدي ، فتعلقت بجلدة من جسمي ، وأجهضني القتال : أي شغلني عنه ، فلقد قاتلت عامة يومي ، وإني لأستحسها خلفي ، فلما آذتني وضعت عليها قدمي ثم تمطيت عليها حتى طرحتها . وفي رواية « أنه جاء بها إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فبصق عليها ، أي ولصقها فلصقت » وإلى ذلك يشير الإمام السبكي في تائيته ، لكن قال ابن عفراء : ولا منافاة لجواز أن يكون معاذ بن عمرو بن الجموح ابن عفراء ، وسيأتي ما يدل على ذلك بقوله : وبانت بها كف ابن عفراء فاشتكى * إليك فعادت بعد أحسن عودة إلا أن قوله بها يرجع لغزاة أحد ، وقد علمت أن ذلك إنما هو ببدر ، واحتمال تكرر ذلك في أحد وفي بدر لشخص واحد بعيد ، إلا أن يثبت النقل بذلك ، ثم مر بأبي جهل وهو عقير معوذ بضم الميم وتشديد الواو مفتوحة ومكسورة ابن عفراء ، فضربه حتى أثبته وتركه وبه رمق ، أي وما جاء في بعض الروايات ضربه حتى برد بفتح الموحدة والراء والدال المهملة : أي مات لا ينافيه ؛ لأنه يجوز أن يكون المراد صار في حالة من مات بأن صار إلى حركة المذبوح ، ومن ثم جاء في بعض الروايات