الحلبي
182
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
هذه اللفظة محفوظة فتحمل على أن بعض المسلمين ممن لم يشتهر ، قتل في تلك المدة في غير الجهاد . ثم قال : وذكر لي بعض الفضلاء أنه يجوز أن يراد من قتل بمكة من المستضعفين كأبوي عمار ، فقلت : يحتاج إلى ثبوت أن قتلهما كان بعد الإسراء ، هذا كلام الحافظ وفيه أن الركعتين اللتين كان يصليهما وهو والمسلمون بالغداة وبالعشي قبل فرض الصلوات الخمس كانتا لبيت المقدس ، فقد تقدم أنه كان يصلي هو وأصحابه إلى الكعبة ووجوههم إلى بيت المقدس ، فكانوا يصلون بين الركنين اليماني والذي عليه الحجر الأسود لأجل استقبال بيت المقدس ، وتقدم أنه صلى اللّه عليه وسلم لم يلتزم ذلك بل كان في بعض الأوقات يصلي إلى الكعبة في أي جهة أراد . ثم لما قدم المدينة صار يستقبل بيت المقدس ويستدبر الكعبة إلى وقت التحويل ، ومن ثم قال في الأصل « ولما كان صلى اللّه عليه وسلم يتحرى القبلتين جميعا أي يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس لم يتبين توجهه إلى بيت المقدس للناس حتى خرج من مكة » أي فإنه استدبر الكعبة واستقبل بيت المقدس . فقول ابن عباس ؛ لما هاجر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة ، واليهود يستقبلون بيت المقدس ، أمره اللّه تعالى أن يستقبل بيت المقدس ، معناه أمره اللّه تعالى أن يستمر على استقبال بيت المقدس ، وهذا هو المراد بقوله الذي نقله بعضهم عنه ، وهو أنه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلون بمكة إلى الكعبة ، فلما هاجروا أمره اللّه تعالى أن يصلي نحو صخرة بيت المقدس ، أي يستمر على ذلك ويستدبر الكعبة ، ثم أمره اللّه باستقبال الكعبة واستدبار بيت المقدس ؛ فلم يقع النسخ مرتين كما قد يفهم من ظاهر السياق ومن قول ابن جرير صلى اللّه عليه وسلم أول ما صلى إلى الكعبة ، ثم صرف إلى بيت المقدس وهو بمكة ، فصلى صلاة ثلاث حجج ، ثم هاجر فصلى إليه ، ثم وجهه اللّه تعالى إلى الكعبة » هذا كلامه ، ومن ثم قال الحافظ ابن حجر : هذا ضعيف ، ويلزم منه دعوى النسخ مرتين . قيل وكان أمره بمداومة استقبال بيت المقدس ليتألف أهل الكتاب لأنه كان ابتداء الأمر يحب أن يتألف أهل الكتاب فيما لم ينه عنه ، فلا يخالف ما سبق من أنه كان يحب أن يستقبل الكعبة كراهة لموافقة اليهود في استقبال بيت المقدس ولا يخالف هذا قول بعضهم ، كان صلى اللّه عليه وسلم قبل فتح مكة يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم ينه عنه ، وبعد الفتح يحب مخالفتهم ، لجواز أن يكون ذلك أغلب أحواله . وقد يؤخذ من استدامة استقباله لبيت المقدس كان لتألف أهل الكتاب ، جواب عما يقال إذا كانت الكعبة قبلة الأنبياء كلهم ، فلم وفق إلى استقبال بيت المقدس وهو بمكة ؟ بناء على أن صلاته لبيت المقدس وهو بمكة كانت باجتهاد . وحاصل الجواب أنه أمر بذلك أو وفق إليه ، لأنه سيصير إلى قوم قبلتهم بيت