الحلبي

181

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

قوله تعالى لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 146 ) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ [ البقرة : الآية 146 - 147 ] أي يكتمون ما علموا من أن الكعبة هي قبلة الأنبياء ، أي المقصودة بالاستقبال ، لا أنهم يستقبلونها لأجل صخرة بيت المقدس . وذكر عن بعضهم أن اليهود لم تجد كون الصخرة قبلة في التوراة ، وإنما كان تابوت السكينة على الصخرة ، فلما غضب اللّه على بني إسرائيل رفعه فصلوا إلى الصخرة بمشاورة منهم ، أي وادعوا أنها قبلة الأنبياء - وما تقدم عن الزهري تقدم الجواب عنه - ثم قالوا واللّه إن أنتم إلا قوم تفتنون ، فأنزل اللّه تعالى سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [ البقرة : الآية 142 ] أي الجهات كلها فيأمر بالتوجه إلى أيّ جهة شاء لا اعتراض عليه يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [ البقرة : الآية 142 ] أي فكان أوّل ما نسخ أمر القبلة . فعن ابن عباس أول ما نسخ من القرآن فيما يذكر لنا واللّه أعلم شأن القبلة فاستقبل صلى اللّه عليه وسلم بيت المقدس - أي بمكة والمدينة - ثم صرفه اللّه تعالى إلى الكعبة . أي وأما قوله تعالى فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [ البقرة : الآية 115 ] فمحمول على النفل في السفر إذا صلى حيث توجه . وما قيل إن سبب نزولها ما ذكره بعض الصحابة ، قال « كنا في سفر ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة ، فصلى كل منا على حياله ، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فنزلت » ففيه نظر لضعف الحديث ؛ أو هو محمول على ما إذا صلوا باجتهاد . أي ولما توجه صلى اللّه عليه وسلم إلى الكعبة ، قال المشركون من أهل مكة توجه محمد بقبلته إليكم ، وعلم أنكم كنتم أهدى منه ، ويوشك أي يقرب أن يدخل في دينكم ومن ثم ارتد جماعة وقالوا مرة هاهنا ومرة هاهنا . « ولما حوّلت القبلة إلى الكعبة أتى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مسجد قباء فقدم جدار المسجد موضعه الآن ، وقالت الصحابة له : يا رسول اللّه لقد ذهب منا قوم قبل التحول ، فهل يقبل منا ومنهم ؟ فأنزل اللّه تعالى قوله وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ [ البقرة : الآية 143 ] أي صلاتكم إلى بيت المقدس » . وذكر في الأصل « أن الصحابة قالوا : مات قبل أن تحول قبل البيت رجال وقتلوا ، أي وهم عشرون ، ثمانية عشر من أهل مكة ، واثنان من الأنصار وهما البراء بن معرور ، وأسعد بن زرارة فلم ندر ما نقول فيهم ؛ فأنزل اللّه تعالى وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ [ البقرة : الآية 143 ] الآية » ولفظة القتل وقعت في البخاري . وأنكرها الحافظ ابن حجر فقال : ذكر القتل لم أره إلا في رواية زهير ، وباقي الروايات إنما فيها ذكر الموت فقط ، ولم أجد في شيء من الأخبار أن أحدا من المسلمين قتل قبل تحويل القبلة ، لكن لا يلزم من عدم الذكر عدم الوقوع ، فإن كانت