الحلبي
180
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
قد وجهت نحو الكعبة فتحول إمامنا نحو الكعبة وقوله تعالى قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ [ البقرة : الآية 144 ] أي متطلعا نحو الوحي ومتشوقا للأمر باستقبال الكعبة فَلَنُوَلِّيَنَّكَ [ البقرة : الآية 144 ] أي نحوّلنّك قِبْلَةً تَرْضاها [ البقرة : الآية 144 ] أي تحبها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [ البقرة : الآية 144 ] أي نحوه ، والمراد بالمسجد الحرام الكعبة وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ [ البقرة : الآية 144 ] أي الرجوع إلى الكعبة مِنْ رَبِّهِمْ [ البقرة : الآية 5 ] أي لما في كتبهم من نعته صلى اللّه عليه وسلم بأنه يتحول إلى الكعبة . أقول : ولعل هذه القصة التي رواها عمارة هي التي رويت عن رافع بن خديج ، قال « أتانا آت ونحن نصلي في بني عبد الأشهل ، فقال إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قد أمر أن يتوجه إلى الكعبة فدار أمامنا إلى الكعبة ودرنا معه » واللّه أعلم . « واجتمع قوم من كبار اليهود جاءوا إليه صلى اللّه عليه وسلم وقالوا له : يا محمد ما ولاك عن قبلتك التي كنت عليها وأنت تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه أي وما كنت عليه قبلة إبراهيم » وهذا بناء على دعواهم أن بيت المقدس كان قبلة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كما سيأتي عنهم ، وسيأتي ما فيه ثم قالوا ارجع إلى قبلتك التي كنت عليها نتبعك ونصدقك « وإنما يريدون بذلك فتنة ليعلم الناس أنه صلى اللّه عليه وسلم في حيرة من أمره » أي واختبار لما يجدونه في نعته صلى اللّه عليه وسلم من أنه يرجع عن استقبال بيت المقدس إلى استقبال الكعبة وأنه لا يرجع عن تلك القبلة ، وفي رواية أنهم قالوا للمسلمين : ما صرفكم عن قبلة موسى ويعقوب وقبلة الأنبياء » أي ويوافقه قول الزهري « لم يبعث اللّه منذ هبط آدم عليه الصلاة والسلام إلى الأرض نبيا إلا جعل قبلته صخرة بيت المقدس » ويوافق هذا ظاهر قول الإمام السبكي رحمه اللّه تعالى في تائيته : وصليت نحو القبلتين تفردا * وكل نبيّ ما له غير قبلة قال شارحها : يشير إلى أن كل نبي كانت قبلته بيت المقدس ، وهو صلى اللّه عليه وسلم قد شاركهم فيها ، أي واختص بالكعبة . ومن ثم جاء في التوراة في وصفه صلى اللّه عليه وسلم « صاحب القبلتين » وفيه أن قبلة الأنبياء صلوات اللّه وسلامه عليهم إنما هي الكعبة . فعن أبي العالية كانت الكعبة قبلة الأنبياء ، وكان موسى يصلي إلى صخرة بيت المقدس ، وهي بينه وبين الكعبة ، ومثل هذا لا يقال إلا عن توقيف ، أي ويقال بمثل هذا فيما تقدم عن اليهود وعن الزهري ، على تسليم صحته من أن صخرة بيت المقدس كانت قبلة لجميع الأنبياء أنهم كانوا يصلون إليها ويجعلونها بينهم وبين الكعبة ، فلا مخالفة . لا يقال : هذا ليس أولى من العكس ، أي أن استقبال الأنبياء للكعبة إنما كانوا يجعلونها بينهم وبين صخرة بيت المقدس . لأنا نقول : قد ذكر في الأصل في تفسير