الحلبي

134

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

يكون سنة للصلوات الخمس التي فرضت عليه تلك الليلة ، فبتلك الرؤيا علم أن ذلك سنة في الأرض كما تقدم . وعبارة بعضهم : ولا يشكل على أذان جبريل ببيت المقدس أن الأذان إنما كان بعد الهجرة ، لأنه لا مانع من وقوعه ليلة الإسراء قبل مشروعيته للصلوات الخمس ، وهذا كله على تسليم أن المرئي له الأذان حقيقة لا الإقامة ، وقد علمت ما فيه . ثم رأيت بعضهم قال : وأما قول القرطبي . لا يلزم من كونه سمعه ليلة الإسراء أن يكون مشروعا في حقه ، ففيه نظر لقوله في أوله : لما أراد اللّه تعالى أن يعلم رسوله الأذان ، أي لأن المتبادر تعليمه الأذان الذي يأتي به في الأرض للصلوات . وقد يقال : على تسليم ذلك قد علمت أن المراد بالأذان الذي سمعه ليلة الإسراء الإقامة وقد قال الحافظ ابن حجر : الحق أنه لم يصح شيء من هذه الأحاديث الواردة بأنه سمعه ليلة الإسراء ، ومن ثم قال ابن كثير في بعض الأحاديث الواردة بأنه سمع هذا الأذان في السماء ليلة المعراج : هذا الحديث ليس كما زعم البيهقي أنه صحيح ، بل هو منكر ، تفرد به زياد بن المنذر أبو الجارود الذي تنسب إليه الفرقة الجارودية ، وهو من المتهمين ، وبهذا يعلم ما في الخصائص الصغرى : خص صلى اللّه عليه وسلم بذكر اسمه في الأذان في عهد آدم وفي الملكوت الأعلى ، واللّه أعلم . أي وروي بسند واه : إن أول من أذن بالصلاة جبريل عليه الصلاة والسلام في سماء الدنيا ، فسمعه عمر وبلال رضي اللّه تعالى عنهما ، فسبق عمر بلالا ، فأخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم ؛ ثم جاء بلال ، فقال له : سبقك بها عمر ، وهذا لا دلالة فيه ، لأنه يجوز أن يكون ذلك بعد رؤيا عبد اللّه . وذكر أن عمر رضي اللّه تعالى عنه رآه من عشرين يوما وكتمه ، ولما أخبر صلى اللّه عليه وسلم بذلك ، قال له : ما منعك أن تخبرني ؟ قال سبقني عبد اللّه بن زيد فاستحيت منه . أقول : في هذا الكلام ما لا يخفى فليتأمل ، إنما قال له « إنها رؤيا حق » لأنه يجوز أن يكون جاءه صلى اللّه عليه وسلم الوحي بذلك قبل أن يجيء إليه عبد اللّه بن زيد به ، ومن ثم قال له حين أخبره بذلك على ما في بعض الروايات « قد سبقك بذلك الوحي » فالأذان إنما ثبت بالوحي لا بمجرد رؤيا عبد اللّه . قال بعضهم في قوله وَإِذا نادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُواً [ المائدة : الآية 58 ] الآية ، كان اليهود إذا نودي إلى الصلاة وقام المسلمون إليها يقولون : قاموا لا قاموا صلوا لا صلوا ، على طريق الاستهزاء والسخرية . وفيها دليل على مشروعية الأذان بنص الكتاب لا بالمنام وحده هذا كلامه . ورده أبو حيان بأن هذه جملة شرطية دلت على سبق المشروعية لا على إنشائها أي