الحلبي
127
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
خالد ، وكان خالد من جملة من خرج من مكة فارّا لئلا يرى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه كراهة الإسلام وأهله ، فسأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الوليد عنه ، وقال « لو أتانا خالد لأكرمناه ، وما مثله يجهل الإسلام » فكتب له أخو الوليد بذلك ، وفي مدة حبس الوليد كان صلى اللّه عليه وسلم في كل ليلة إذا صلى العشاء الآخرة قنت في الركعة الأخيرة يقول « اللهم أنج الوليد بن الوليد ، اللهم أنج سلمة بن هشام ، اللهم انج عياش بن أبي ربيعة ، اللهم أنج هشام بن العاص ، اللهم أنج المستضعفين من المؤمنين ، اللهم أشدد وطأتك على مضر ، اللهم اجعلها عليهم سنين مثل سني يوسف ، فأكلوا العلهز ؛ ثم لم يزل يدعو للمستضعفين حتى نجاهم اللّه » أي بعد أن نجى عياشا وهشاما والوليد . أقول : هذه الرواية تدل على أنه كان يدعو بما ذكر في الركعة الأخيرة من العشاء الآخرة . وفي البخاري أن ذلك كان في الركعة الأخيرة من الصبح . وقد يقال : لا مخالفة ، لأنه كان صلى اللّه عليه وسلم تارة يدعو في الركعة الأخيرة من صلاة العشاء الآخرة ، وتارة في الركعة الأخيرة من الصبح ، أو كان يدعو بذلك فيهما وكل روى بحسب ما رأى ، واللّه أعلم . ثم لا زال المهاجرون والأنصار يتوارثون بذلك الإخاء دون القرابات إلى أن نزل قوله تعالى في وقعة بدر وَأُولُوا الْأَرْحامِ [ الأنفال : الآية 75 ] أي القرابات بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ [ الأنفال : الآية 75 ] أي في الإرث فِي كِتابِ اللَّهِ [ الأنفال : الآية 75 ] أي اللوح المحفوظ فنسخت ذلك ، أي لأنه كان الغرض من المؤاخاة ذهاب وحشة الغربة ومفارقة الأهل والعشيرة ، وشدّ أزر بعضهم ببعض ؛ فلما عزّ الإسلام ، واجتمع الشمل ، وذهبت الوحشة ، بطل التوارث ، ورجع كل إنسان إلى نسبة وذوي رحمه : أي ومن ثم قيل لزيد بن حارثة زيد بن حارثة : أي بعد أن كان يقال له زيد بن محمد ، وكانت المؤاخاة بعد الهجرة بخمسة أشهر ، وقيل غير ذلك . أقول : تقدم أن سبب امتناع أن يقال زيد بن محمد نزول قوله تعالى ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ [ الأحزاب : الآية 5 ] أي ومن ثم قيل للمقداد بن عمرو ، وكان يقال له المقداد بن الأسود ، لأن الأسود كان تبناه في الجاهلية ، ومن لم يعرف أبوه ردّ إلى مواليه ؛ ومن ثم قيل لسالم مولى أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بعد أن كان يقال له سالم بن أبي حذيفة ، فكان أبو حذيفة يرى أنه ابنه ، ومن ثم أنكحه ابنة أخيه فاطمة بنت الوليد بن عتبة . وجاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو امرأة أبي حذيفة إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقالت : « يا رسول اللّه إنا كنا نرى سالما ولدا ، وكان يدخل عليّ وقد بلغ ما يبلغ الرجال ، وإنه يدخل عليّ ، وأظن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئا فما ذا ترى فيه ؟ فقال : أرضعيه تحرمي » .