الحلبي
119
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
لهم : قوتوا طعامكم يبارك لكم فيه » قيل معناه تصغير الأرغفة ، ودعا لغنم كانت ترعى بالمدينة فقال « اللهم اجعل نصف أكراشها مثل ملئها في غيرها من البلاد » أي ولعل الدعاء بذلك ليس خاصا بتلك الأغنام الموجودة في زمنه صلى اللّه عليه وسلم . ويدل لذلك ما ذكره السيوطي في الخصائص الصغرى : مما اختصت به المدينة أن غبارها يطفئ الجذام ، ونصف أكراش الغنم فيها مثل ملئها في غيرها من البلاد ، والكرش كالمعدة للإنسان . وكما صينت المدينة عن الطاعون بإرساله إلى الشام صينت عن الدجال . روى الشيخان عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « على أنقاب المدينة » أي على أبوابها « ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال » وفي رواية « لها » : أي المدينة « سبعة أبواب على كل باب ملك » . فإن قيل : كيف مدحت المدينة بعدم دخول الطاعون ، وكيف أرسله صلى اللّه عليه وسلم إلى الشام مع أنه شهادة ؟ . وأجيب بأنه إنما أرسله إلى الشام لما تقدم ، وصينت عنه بعد انتفاء ما تقدم ، لأن سببه طعن كفار الجن وشياطينهم ، فمنع من المدينة احتراما لها ، ولم يتفق دخول الطاعون بها في زمن من الأزمنة ، بخلاف مكة فإنه وجد بها في بعض السنين وهي سنة تسع وأربعين وسبعمائة . ويقال إنه وقع في سنة تسع وثلاثين بعد الألف لما هدم السيل الكعبة : أي الجانب الذي جهة الحجر . قال بعضهم : فمن حين انهدم وجد الطاعون بمكة ، واستمر إلى أن أقاموا الأخشاب موضع المنهدم وجعلوا عليها الستر ، فعند ذلك ارتفع الطاعون ، كذا أخبر بعض الثقات من أهل مكة . وكونه لم يتفق دخول الطاعون في المدينة في زمن من الأزمنة يخالفه قول بعضهم : وفي السنة السادسة من الهجرة وقع طاعون في المدينة أفنى الخلق ، وهو أول طاعون وقع في الإسلام ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « إذا وقع بأرض فلا تخرجوا منها ، وإن سمعتم به في أرض فلا تقربوها » . ويروى « أنه لما قدم صلى اللّه عليه وسلم المدينة رفع يديه وهو على المنبر وقال : اللهم انقل عنها الوباء ثلاثا » أي وفيه أن هذا قد يخالف ما سبق من أن هذا كان في آخرة الأمر لا عند قدومه صلى اللّه عليه وسلم المدينة ، إلا أن يحمل على أن قدومه صلى اللّه عليه وسلم كان من سفر لا للهجرة . وفي الحديث « سيأتي على الناس زمان يلتمسون فيه الرخاء فيحملون بأهليهم إلى الرخاء والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ؛ لا يلبث فيها أخذ فيصبر للأوائها