الحلبي

11

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

دليل على أن هذه المبايعة متأخرة عن يوم الفتح كما قال الحافظ ، واللّه أعلم . زاد بعضهم « والسمع والطاعة في اليسر والعسر والمنشط والمكره ، وأن لا ننازع الأمر أهله ، وأن نقول الحق حيث كنا لا نخاف في اللّه لومة لائم ، ثم قال : ومن وفي » بالتخفيف والتشديد : أي ثبت على العهد « فأجره على اللّه ، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو » أي العقاب « طهرة له ، أو قال كفارة له » . واستشكل بأن أبا هريرة روى أنه صلى اللّه عليه وسلم قال « لا أدري ، الحدود كفارة لأهلها أو لا » وإسلام أبي هريرة تأخر عن بيعة العقبة بسبع سنين كما سيأتي ، فإنه كان عام خيبر سنة سبع . ويجاب بأن هذه البيعة التي ذكرها عبادة ليست بيعة العقبة ، بل بيعة غيرها وقعت بعد فتح مكة كما علمت . وحينئذ يكون ما رواه أبو هريرة رضي اللّه تعالى عنه كان قبل أن يعلم صلى اللّه عليه وسلم ذلك ثم علمه : أي أن الحدود كفارة ، قال صلى اللّه عليه وسلم « ومن أصاب من ذلك شيئا فستره اللّه عليه فأمره إلى اللّه عز وجل ، إن شاء غفر له ، وإن شاء عذبه » أي وكون الحدود كفارة وطهرة مخصوص بغير الشرك ، فقتل المرتد لا يكون كفارة وطهرة له ، لأن اللّه لا يغفر أن يشرك به . وفي رواية « فإن رضيتم فلكم الجنة » وإن غشيتم ، من ذلك شيئا فأصبتم بحد في الدنيا فهو كفارة لكم في الدنيا ، وإن سترتم عليه فأمركم إلى اللّه ، إن شاء عذب ، وإن شاء غفر » أي وفي هذا ردّ على من قال بوجوب التعذيب لمن مات بلا توبة ، وعلى من قال يكفر مرتكب الكبيرة . « فلما انصرفوا راجعين إلى بلادهم بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم معهم ابن أم مكتوم » واسمها عاتكة ، واسمه عمرو ، وقيل عبد اللّه ، وهو ابن خال خديجة بنت خويلد أم المؤمنين رضي اللّه تعالى عنها . قال الشعبي : غزا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثلاث عشرة غزوة ، ما فيها غزوة إلا واستخلف ابن أم مكتوم على المدينة ، وكان يصلي بهم » وليس له رواية ، ومصعب بن عمير رضي اللّه تعالى عنهما يعلمان من أسلم منهم القرآن ويعلمانهم : أي من أراد أن يسلم الإسلام ، ويفقهانهم في الدين ، ويدعوان من لم يسلم منهم إلى الإسلام ، وهذا ما في أكثر الروايات ؛ وهو يفيد أنه صلى اللّه عليه وسلم بعث بهما معا ، ويدل له ما روي عن البراء بن عازب رضي اللّه تعالى عنه « أول من قدم علينا من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مصعب بن عمير وابن أم مكتوم ، فجعلا يقرءان الناس القرآن » أي وفي رواية « أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعث إليهم مصعبا حين كتبوا إليه يبعث إليهم » .