الحلبي

12

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

وفي رواية « ثم بعثوا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم معاذ ابن عفراء ورافع بن مالك رضي اللّه تعالى عنهما أن أبعث إلينا رجلا من قبلك يفقهنا ويدعو الناس بكتاب اللّه » وفي رواية « كتبوا إليه صلى اللّه عليه وسلم بذلك ، فبعث إليهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مصعب بن عمير وكان يقال له المقرئ ، وهو أول من تسمى بهذا الاسم ، وهذا يدل على أن مصعبا لم يكن معهم . أقول : وقد يقال لا منافاة ، لأنه يجوز أن يكون كتبوا وأرسلوا إليه صلى اللّه عليه وسلم بذلك عند خروجهم من مكة ، وقبل أن ينصرفوا منها راجعين إلى المدينة ، والاقتصار على مصعب لا ينافي ما تقدم من ذكر ابن أم مكتوم معه . ثم رأيت ما يبعد الجمع الأول ، وهو عن ابن إسحاق « أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إنما بعثه يعني مصعب بن عمير بعدهم » وإنما كتبوا إليه « إن الإسلام قد فشا فينا ، فابعث إلينا رجلا من أصحابك يقرئنا القرآن ويفقهنا في الإسلام ويعلمنا بسنته وشرائعه ويؤمنا في صلاتنا ، فبعث مصعب بن عمير » وما يبعد الجمع الثاني ، وهو ما نقل عن الواقدي « أن ابن أم مكتوم قدم المدينة بعد بدر بيسير » . وفي كلام ابن قتيبة : وقدم ابن أم مكتوم المدينة مهاجرا بعد بدر بسنتين . وقد يقال : لا منافاة ، لأنه يجوز أن يكون كل من مصعب بن عمير وابن أم مكتوم رجعا إلى مكة بعد مجيئهما مع القوم ، وأن مكاتبتهم بأن الإسلام فشا فينا إلى آخره كانت وهم بالمدينة ، فجاء إليهم مصعب وتخلف ابن أم مكتوم ، فليتأمل ذلك ، واللّه تعالى أعلم . وهذه المبايعة يقال لها العقبة الأولى لوجود تلك المبايعة عندها . ولما قدم مصعب المدينة نزل على أبي أمامة أسعد بن زرارة رضي اللّه تعالى عنه دون بقية رفقته ، وكان سالم مولى أبي حذيفة رضي اللّه تعالى عنه يؤمّ المهاجرين بقباء قبل أن يقدم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وكان مصعب يؤمّ القوم : أي الأوس والخزرج ، لأن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه بعض . وجمع بهم أول جمعة جمعت في الإسلام قبل قدومه صلى اللّه عليه وسلم ، المدينة وقبل نزول سورة الجمعة الآمرة بها فإنها مدنية . وقال الشيخ أبو حامد : فرضت الجمعة بمكة ولم يتمكن من فعلها . قال الحافظ ابن حجر : وهو غريب ، أي وعلى صحته فهو ما تقدم حكمه على تلاوته . وعند ابن إسحاق أن أول من جمع بهم أبو أمامة أسعد بن زرارة وكانوا أربعين رجلا : أي فعن كعب بن مالك قال : أول من جمع بنا في المدينة أسعد بن زرارة قبل مقدم النبي صلى اللّه عليه وسلم في نقيع الخضمان ، والنقيع بالنون قيل أو بالباء الموحدة ، لكن قال الخطابي : إنه خطأ ، والخضمان : جمع خضمة : وهي الماشية التي تخضم أي تأكل بفمها كله مما في ذلك المحل من الكلأ : وهو اسم لقرية من قرى المدينة ، قال : وكنا أربعين رجلا : أي ولا مخالفة ، لأن مصعب بن عمير كان عند أبي أمامة