الحلبي

100

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول « قاتل عمار في النار » ومن العجب أن أبا العالية هذا هو القاتل لعمار يوم صفين ، فكان أبو العالية مع معاوية ، وكان عمار مع عليّ ، أي ويقول : إن عمارا لما برز للقتال قال : اللهم لو أعلم رضاك عني أن أوقد نارا فأرمي نفسي فيها لفعلت ، أو أغرق نفسي لفعلت ، وإني لا أريد قتال هؤلاء إلا لوجهك الكريم ، وأنا أرجو أن لا تخيبني وجعلت يده ترتعش على الحربة ، أي لأن عمره يومئذ كان ثلاثا وسبعين سنة ، أي وقد كان جيء به بلبن فضحك ، فقيل له : ما يضحكك ؟ قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « آخر شراب تشربه حين تموت لبن » وفي رواية « آخر زادك من الدنيا مشيج من اللبن » ثم نادى : اليوم زخرفت الجنان ، وزينت الحور الحسان ، اليوم نلقى الأحبة ، محمدا وحزبه . ولما قتل عمار دخل عمرو بن العاص على معاوية فزعا وقال : قتل عمار ، فقال معاوية قتل عمار فما ذا ؟ قال عمرو : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول « تقتل عمارا الفئة الباغية » فقال له معاوية : دحضت ، أي زلقت في بولك ، أنحن قتلناه ، إنما قتله من أخرجه ، وفي رواية قال له : اسكت ، فو اللّه ما تزال تدحض ، أي تزلق في بولك ، إنما قتله عليّ وأصحابه ، جاءوا به حتى ألقوه بيننا . وذكر أن عليا رضي اللّه تعالى عنه لما احتج على معاوية رضي اللّه تعالى عنه بهذا الحديث ولم يسع معاوية إنكاره ، قال إنما قتله من أخرجه من داره يعني بذلك عليا ، فقال علي رضي اللّه تعالى عنه فرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذن قتل حمزة حين أخرجه . ولما قتل عمار ، جرد خزيمة بن ثابت رضي اللّه تعالى عنه سيفه وقاتل مع علي وكان قبل ذلك اعتزل عن الفريقين ، وقال سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « تقتل عمارا الفئة الباغية » فقاتل معاوية حتى قتل . وكان ذو الكلاع رضي اللّه تعالى عنه مع معاوية ، وقال له يوما ولعمرو بن العاص : كيف نقاتل عليا وعمار بن ياسر ، فقالا له : إن عمارا يعود إلينا ويقتل معنا فقتل ذو الكلاع قبل قتل عمار . ولما قتل عمار قال معاوية : لو كان ذو الكلاع حيا لمال بنصف الناس إلى علي أي لأن ذا الكلاع كان ذووه أربعة آلاف أهل بيت ، وقيل عشرة آلاف . وكان عبد اللّه بن بديل بن ورقاء رضي اللّه تعالى عنه مع علي رضي اللّه تعالى عنه ، فلما قتل عمار أخذ سيفين ولبس درعين ، ولم يزل يضرب بسيفيه حتى انتهى إلى معاوية ، فأزاله عن موقفه ، وأزال أصحابه الذين كانوا معه عن موقفهم . ثم قام خطيبا فحمد اللّه وأثنى عليه ، وصلى على النبي صلى اللّه عليه وسلم ثم قال : ألا إن معاوية ادعى ما ليس له ونازع الأمر أهله . ومن ليس قبله ، وجادل بالباطل ليدحض به الحق ؛ وصال عليكم بالأعراب والأحزاب ، وزين لهم الضلالة ، وزرع في قلوبهم حب الفتنة ، ولبس عليهم الأمر ، وأنتم واللّه على الحق ، على نور من ربكم وبرهان مبين ، فقاتلوا