الشيخ محمد الصادقي الطهراني
61
تاريخ الفكر والحضارة
ضرب والتير مثلا في هذا الصدد : أن الكون كالساعة يرتب صانعها آلاتها الدقيقة في هيئة خاصة ويحركها ثم تنقطع صلته بها . ثم جاء « هيوم » فتخلص من هذا الاله الميت يضا وعلى حد قوله : ( لقد رأينا الساعات وهي تصنع في المصانع ولكننا لم نر الكون وهو يصنع فكيف نسلم بأن له صانعا ) . وقال هكسلي : ( إذا كانت الحوادث تصدر عن قوانين طبيعة فلا ينبغي ان ننسبها إلى أسباب فوق الطبيعة ) . هذه هي الشبهة الرابعة في انكار الاله ، ولكن نسأل « هيوم » هل ان معلومات الإنسان محصورة فيما يراه إذا فلينكر عقله وعقول العقلاء ، لينكر علمه وفكره ، ولينكر القوة الجاذبية العمومية ، فهل باستطاعته ان ينكر كل ذلك ، أم يستدل بآثارها عليها ، فليستدل كذلك بالكون ، بما يحكم عليه من قوانين ، على أن هناك الها ، لان الكون كله آثار وحوادث . « 1 » وقد بحثنا في الجواب عن الشبهة الثانية حول عدم منافاة الكشف عن علل الحوادث مع التأكد من وجود علة العلل . وسوف نفصل البحث عنها عند سرد البراهين على وجود الخالق . يقول الماديون : ( الاله الذي اكتشفه العلم في جوهر ذات المادة يغنينا عن اله أجنبي خارج نطاق المادة ، فالاله الداخلي هو القوانين الحاكمة على المادة من داخل ذاتها ) . ولكن يبقى عليهم أن يبرهنوا لانحصار القوات الحاكمة على المادة بما في ذواتها من طاقات ، حال أن المادة بطاقاتها وحركاتها الدائمة وتغيراتها وتركباتها والزمان الملازم لها ، تصرخ من كل هذه الإذاعات الأربعة ليل نهار انها بحاجة ذاتية ضرورية إلى ما ليس مادة ، هذه جغرافية المادة المحكومة بها
--> ( 1 ) . راجع كتابنا ( ( حوار ) ) بحث الأزلية والحدوث .