الشيخ محمد الصادقي الطهراني

60

تاريخ الفكر والحضارة

يقول « جون ستيوارت ميل » في سيرة حياته : ان أباه قد علمه أن سؤال ( من خلقني ) لا يكفي لاثبات وجود الاله ، إذ ينجم تلقائيا سؤال ( فمن ذا الذي خلق الله ) ؟ وقد اعتقد « برتراند رسل » هذا الاعتراض الثاني كافيا لرفض مدلول السؤال الأول ! أقول : ولكن ليعلم السائلون ان ( من خلقه . . ) ؟ انما يصح في المخلوق دون الخالق الأزلي الذي ليس بمخلوق ، ولذلك ترى الماديين القائلين بأزلية المادة الأولية وحدوث التطورات لا يقفون في هكذا سؤال عن المادة الا ان يقولوا : ليست المادة الأولية مخلوقة حتى يسأل عن خالقها . « 1 » فهناك في الكون أزلية ، سواء في المادة الأولية أو الاله المجرد عن المادة ، فكما ان سؤال ( من خلقه . . . ) ؟ لا يرفض مدلوله في المادة الأولية : ( ليس للمادة الأولية خالق إذ ليست مخلوقة ) في ظن الماديين ، كذلك وبالأخرى لا يرفض مدلوله ( ليس للاله خالق لأنه ليس بمخلوق ) في نظر الإلهيين . ومما لا يريبه شك انه لا يمكن انكار أزلية ما في الكون إذ ان انكارها يستلزم انكار الكون المتطور الحادث اطلاقا فكيف يقول برتراند رسل : ان مدلول السؤال ( من خلقني ) لا يكفى لاثبات وجود الله . . . في حين انه ( في زعم الماديين ) يكفي في اثبات خالقية وأزلية المادة الأولية . 4 - هل المادة اله نفسها الهها من داخلها : بعد ان اكتشف نيوتن فكرة : أن الكون مرتبط بقوانين ثابتة تتحرك في نطاقها الأجرام السماوية ، خلقت هذه الفكرة ظرفا لانكار الإله ؛ إذ خيل إلى أصحاب هذه الفكرة كأن هذه القوانين الكامنة في المادة المتحكمة عليها قد تنوب الاله الذي اختلقه جهل الإنسان بهذه القوانين على حد زعمهم ، فكان يفسر لها تفسيرا لاهوتيا ، فلم يبق في زعمهم رمق للاله الا القول : انه هو المحرك الأول للكون .

--> ( 1 ) . راجع كتابنا ( ( حوار ) ) ص 77 و ( ( المناظرات ) ) .