الشيخ محمد الصادقي الطهراني

34

تاريخ الفكر والحضارة

المقدس ، وانه نفسه مصدر الحقيقة فيما يتصل بالايمان ثم جعل هكذا ايمان مقذما على العقل والطبيعة . وجاء بعده ( كالفين ) وأقر لوثر على أصله ، واستثنى تفسيرات الكتاب المقدس ، وعلى اثر هاتين الحركتين الاصلاحيتين تعرضت المسيحية للجدل الفكري وأصبحت موضوعا للنقاش العقلي والمذاهب الفلسفية ، وأخيرا اعتبر الدين « المسيحية » فوق العقل فلا يسمح للعقل النقاش فيه ، حفاظا على كرامته إذ رأوه يتنافى والعقل ! « 1 » سيادة العقل : لقد استمر اعتبار الدين المسيحي كمرجع أخير للمعرفة بين معتنقيه إلى النصف الثاني من القرن الثامن عشر وهو عصر التنوير في تاريخ الفلسفة الأوروبية ، وله طابعه المشترك في الفكر : الألماني والإنجليزي والفرنسي - - من : ولف ولوك وفولتير - - وطابعه الفكري الذي يتميز به : نمو شعور العقل واحساسه بنفسه ، وبقدرته على أن يأخذ مصير مستقبل الإنسانية في يده بعد ان يزيل كل عبودية ورثها من قبل ، والتحلل عن التقاليد الجاهلة الجامدة المنافية لحكم العقل وتقدم العقل ؛ فللعقل في نظر العقليين - - أصحاب عصر التنوير - - الحق في الاشراف على كل اتجاهات الحياة وما فيها من سياسة وقانون ودين . وكما يسمى هذا العصر ب - : « عصر التنوير » يسمى أيضا ب - : « العصر الإنساني والعصر الايماني الفلسفي ، بإله لا يوحي انما هو خالق للعالم » ؛ فالتنوير لا يقصد به الا إبعاد الدين عن مجال التوجيه واحلال العقل محله فيه ، بالرغم من أنه كان في كل من العصرين أنصار لما رفضه طائفة من العلماء ، من الدين أو العقل . وان الدوافع هذا الصراع وتبديل السيادة هي الظروف السيئة التي أقامتها الكنيسة والكتب المقدسة المحرفة ، في الحياة الأوروبية سواء في مجال التوجيه والبحث ، أو في مجال السياسة ، أو في نطاق العقيدة والايمان .

--> ( 1 ) . راجع كتابنا ( ( عقائدنا ) ) من ص 65 .