الشيخ محمد الصادقي الطهراني

33

تاريخ الفكر والحضارة

لقد مضت على التفكير الأوروبي منذ القرن الرابع عشر حتى الان مراحل شهدت فيها العقلية الأوروبية صراعا فكريا عجيبا واتجاهات عقلية مختلفة تدور حول تبرير مصادر المعرفة التي عرفتها البشرية طوال تاريخها حتى الوقت الحاضر ، وهي الدين والعقل والحس ، وفي كل مرحلة من هذه المراحل نشأ سؤال عن قيمة أي واحد من هذه الثلاثة كمصدر للمعرفة المؤكدة ثم يكون الجواب ايجابيا أو سلبيا . ورغم ان هذا الصراع لا يخص التفكير الأوروبي فإنه يسود التاريخ في مختلف عصوره ، فإننا نستعرض الان عرضا من أهم ادوار التاريخ في هكذا صراع ونبرهن انه لم يكن صراعا واقعيا بين الدين الواقعي والعقل والحس الصحيحين ، انما بين الدين المحرف والعقل المدخول والحس الحيواني غير المنطلق . سيادة الدين : كان الدين سائدا طوال القرون الوسطى في توجيه الإنسان في سلوكه وتنظيم جماعته ، وفي فهمه لواقعه وواقع الحياتين . والبابوية كنظام كنسي ركز السلطة العليا باسم الله في يد البابا . وسوى الاعتبار بين نص الكتاب المقدس ورأى الكنيسة ، ترجيحا للثاني على الأول عند الاختلاف ، اعتبارا انه يوحى إلى الكنيسة بعد وحى الإنجيل ما يحق لها أن تنسخ حكم الكتاب ، وجعل عقيدة التثليث أصلا تبنى عليه المسيحية ، كما جعل الاعتراف بالخطإ وصكوك الغفران من رسوم العبادة . . كل ذلك مضافا إلى الجمود والتأخر وإلى ما يناقض العقل والحس في كلا المصدرين : الكتاب المقدس والكنيسة . « 1 » استمرت سيادة الدين حتى قام « مارتن لوثر » في القرن الخامس عشر ، فكافح ( على حد تعبيره ) تعاليم الشيطان - - يقصد بها الكنيسة - - وجعل الأصل الكتاب

--> ( 1 ) . راجع كتابنا ( ( عقائدنا ) ) من ص 208 .