الشيخ محمد الصادقي الطهراني

20

تاريخ الفكر والحضارة

ان الرباط الاقتصادي والسياسي ، وكذلك الرباط الاقليمي واللغوي ، وحتى الرباط النسبي ، هذه الرباطات ليست بالتي تربط المختلفين وتقضي على خلافاتهم . فإنّما الرابطة اعريقة هي العقيدة والدين الإلهي . حيث تجمع بين مختلف القطاعات البشرية رغم اختلافها الوفير فيما سوى العقيدة والدين . وبما أن حجر الأساس في الحضارة هي الوحدة بين المختلفين ، فالدين إذا هو حجر الأساس للحضارات : « كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » ( 2 . 213 ) وليس اختلاف الأديان مما يدفع بني نوع الإنسان إلى الاختلاف ، انما الدافع الأول والأخير ، من هؤلاء الذين أوتوه ، إذ لم يؤمنوا به تماماً وزادوا فيه أو نقصوا ، فلو أنهم كانوا مؤمنين بالله حقا لما اختلفوا في الدين ولا عنه ، بل كانوا محتفين حول الدين الإلهي دون خلاف . « 1 » أجل ، أن الدين هو الداعي الوحيد إلى الوحدة ، وحدة الأمة البشرية على ضوء التشاريع الإلهية ، دون أن يحكم بينهم الا حاكم الحق والشريعة الإلهية . فكم من حضارات انهارت بدافع الخلافات العارمة الهدامة . وكم من خراب عمر على ضوء وحدة العقيدة والدين ، والتاريخ أصدق شاهد على ذلك . فالفكرة الدينية هي التي تدعو البشرية إلى إعمال العقل والفكر والانتفاع من كافة معطيات الحياة : « خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً » ( 29 : 2 ) « قُلِ انْظُرُوا ما ذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ » ( 10 : 101 ) « وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى » ( 39 : 53 ) وهي التي تدعو إلى أله واحد ، تربط كافة الاتجاهات والنيات إلى الله تعالى ؛ لكي يعمل الإنسان صالحات الاعمال فردية وجماعية ، دون أن ينبغي جزاء من

--> ( 1 ) . راجع علل الاختلاف في الدين في الصحيفة 115 من كتابنا المقارنات .