الشيخ محمد الصادقي الطهراني

124

تاريخ الفكر والحضارة

. . . يقال إن كل إنسان وبكل حضارة وثقافة انما هو ابن ماضية ، تتبنى شخصيته مما أخذ من ماضيه ، تتبنى شخصيته مما أخذ من ماضيه وما درس ، وهذا صحيح لحد ما ، اعني انه ليس ضابطة كلية ، فقد يوجد إنسان ليس ابن ماضيه ، بل هو ثورة على حاضرة وماضيه ، وهكذا إنسان قليلا ما يوجد كإنسان الأرض ووليد البيئة ، وان يثور رغم البيئة ويتبنى غير ما نشأ عليه ، فإنما هو إنسان السماء الذي يثور على كل حاضر وغابر فاسد فيقال : انه ابن الوحي وحي السماء لم يدرس في مدرسة الأرض ، وليست شخصية وليدة اية مدرسة الا مدرسة الوحي . هكذا تكون الحضارات الحاصلة من وحي السماء ، وان كانت كل لاحقة منها تمشي ممشى سابقتها في جذور القيم والمثل الأخلاقية ، ولكنها تختلف عنها بالأكمل والكامل ، وان كانت كل الشرائع الإلهية كاملة لا نقصان فيها ، الا ان طبيعة الشرع الإلهي ان يتكامل حسب ما يحتاجه الإنسان في متطلبات الحياة ، حتى وصل الدور إلى الشريعة الخالدة وهي شريعة القرآن ، وانها ثورة على حاضرها وغابرها ، هيمنة على كتابات الوحي السالفة ، تزييفا لما تدخل فيها من أوهام ، وتصديقا وتكميلا لما كان منها من وحي السماء ، وتأسيسا لما لم يكن فيها من أسس تلائم الخلود . إذا فالحضارة الاسلامية ليست ابن ماضيها ، الا في جذور العقائد والاحكام ، استمرارية لها لأنها لن تتبدل ، انها وحي يستمر ، فبصيغة أخرى ليست ابنا الا نفسها . يقصد بالحضارة في صيغتها العامة مجموعة المعارف والتشريعات والنظم والعادات والآداب التي تمثل الحالة الفكرية والاقتصادية والخلقية والسياسية والفنية وسائر مظاهر الحياة المادية والمعنوية في مرحلة من مراحل التاريخ ، وفي بقعة من بقاع الأرض ، سواء شملت شعبا أو أكثر . ان غاية الحضارة الارتفاع بالحياة الإنسانية فكرية عقلية ، ومادية معيشية ونفسية خلقية ، واجتماعية إلى جانب الحياة الفردية ، والحضارة الصالحة