الشيخ محمد الصادقي الطهراني
125
تاريخ الفكر والحضارة
الخالدة هي التي تلائم كافة هذه المتطلبات طوال الحياة ، والإنسانية مهما تقدمت في العقلية لا تتمكن أن تحضّر نفسها هكذا لعدم الإحاطة بكل المتطلبات والمقاييس والحوادث الجارية . . ولذلك نجد ان الحضارات طوال التاريخ ليست الا أبناء ماضيها ، تبنت عليها وتكاملت قدرا ما دون ان تصل بشريا إلى الذروة . ولكن الحضارات الناتجة عن وحي السماء ، إذا اخذت عن مبادئها ، انها لا تكاد تندثر وتندحر ، الا إذا كانت مؤقتة بنفس الوحي ، الا في الوحي الأخير الذي يمشي مع الزمن ولا تندحر وتندثر . فالحضارة الاسلامية الآخذة من وحي القرآن والسنة القاطعة الملائمة للقرآن ، هذه الحضارة من حقها الخلود ، إذ لا تكاد تجد فيها اي ظلم ونقصان واي انحراف وانجراف . لا تجد اية حضارة بشرية الا وفيها خراب عامدا أو جاهل ، فقد تجدها جميلة رائعة في حالتها الحاضرة ، ولكنها تؤدي باتجاهاتها وتوصل به واقعها إلى التردي والتقهقر والخراب ، وتحمل في ثناياها بذورا فاسدة لا تبدو في الحاضر نتائجها ، وهكذا كل الحضارات البشرية ليس فيها بقاء وصلاح الا ما كان من وحي السماء . أجل ، ولأنّ الحضارة بصحيح معناها هي التي تفسح المجال لنمو العقل وتفتّحه واكتشافه آفاق الوجود ، فتزيده علما ومعرفة نافعة ، وهي التي تزيد من قدرة الإنسان على السيطرة على الطبيعة ليستثمرها لنفعه ، بعد ان يتحرر من سلطانها فترفع بذلك من مستوى حياته ، وتحقق له الكثير من رغباته ، وتزيد من سعادته وتسهل امر معاشه ، وتمكنه كذلك من السيطرة على نفسه وروحه كما فسحت المجال امام عقله لترتفع في آفاق أسمى ولتغير من ابتدائيتها وحيوانيتها ، فتنمي فيه الايثار والبذل مكان الأثرة والشح ، وتجعل هدف الإنسان : الخير لنفسه ولغيره لا لتحقيق اللذة والاستئثار والوصول إلى مراتب ، لا لتحقيق الشهوة والحيونة . . . . . وهكذا حضارة لا تجدها الا في الاسلام الصحيح دون سواه .