تقرير بحث السيد كمال الحيدري لحيدر اليعقوبي
325
شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي )
الأصول المحرزة وإن لم يكن الطريقية ، فهي ليست منزّلة منزلة العلم من تلك الجهة إلا أنّها منزّلة منزلته من جهة لزوم البناء العملي على طبقه ، كذلك الأصول المحرزة فإنّ هذا هو المستفاد من أدلّة اعتبارها ، وعليه فلم يجعل في موردها حكم تكليفيّ قبال الحكم الواقعي ليلزم اجتماع الحكمين ، وإنّما حكم بلزوم البناء العملي على كون المؤدّى هو الواقع فيكون حالها حال الطرق والأمارات في عدم جعل حكم تكليفيّ في موردها قبال الحكم الواقعي . نعم بينهما فرق من جهة أنّ المجعول في باب الطرق والأمارات هو الطريقية ، والمجعول فيها هو لزوم البناء العملي على طبق المؤدّى ، من هنا تتقدّم الطرق والأمارات عليها ، حيث إنّ قيامها يوجب العلم بالواقع تعبّداً ، فلا يبقى شكّ ليجب البناء العملي على طبق المؤدّى » « 1 » . وأمّا الأصول غير المحرزة التي ليست ناظرة إلى الواقع ، بل هي متكفّلة لبيان الوظائف العملية عند الشكّ في الواقع ، إما تنجيزاً كالاحتياط ، أو تأمينا كالبراءة ، فالجواب عن الإشكال فيها يحتاج إلى التنبيه على أمر ، وهو : » أنّ الأحكام بوجوداتها الواقعية لا تكون محرّكة للعبد نحو العمل ، وإن بلغت ما بلغت من التأكّد ، بل لابدّ في ذلك من الوصول إلى المكلّف ، كما هو ظاهر . وأمّا إذا لم يصل الحكم إلى المكلّف وشكّ فيه ، فإن كان ملاك الحكم الواقعي بمرتبة خاصّة من الأهمية بحيث لا يرضى الشارع بفواته حتى في ظرف الشك ، كما في الدماء والفروج والأموال الخطيرة ، فيوجب عليه الاحتياط ، ويكون الحكم الواقعي حينئذ واصلًا إلى المكلّف بطريقة ، وإن لم يكن الملاك بتلك المرتبة من الأهمّية ، فيرخّصه في الترك أو الفعل ، كما في موارد جريان البراءة عند الشكّ في الوجوب أو الحرمة .
--> ( 1 ) مباني الاستنباط ، مصدر سابق : ص 192 .