تقرير بحث السيد كمال الحيدري لحيدر اليعقوبي

143

شرح الحلقة الثالثة ( الدليل الشرعي )

ولهذا نجد أنّ الإمامية بمجرّد أن انتهى عصر النصّ بالنسبة إليهم ببدء الغيبة أو بانتهاء الغيبة الصغرى بوجه خاصّ ، تفتّحت ذهنيتهم الأصولية وأقبلوا على درس العناصر المشتركة . وهذا لا يعني طبعاً أنّ بذور التفكير الأصولي لم توجد لدى فقهاء أصحاب الأئمة ، بل قد وجدت هذه البذور منذ أيام الصادقين ( ع ) على المستوى المناسب لتلك المرحلة . ومن الشواهد التاريخية على ذلك ما ترويه كتب الحديث من أسئلة ترتبط بجملة من العناصر المشتركة في عملية الاستنباط وجهّها عدد من الرواة إلى الإمام الصادق ( ع ) وغيره من الأئمة وتلقّوا جواباً منهم « 1 » . وهذا النصّ يكشف لنا بوضوح أنّ نكتة إفراد علم الأصول عن مباحث الفقه ، ليس لأجل مائز ذاتيّ بينهما ، كالمائز مثلًا بين عمل المهندس والطبيب ، وإنّما عملية استنباط الحكم الإلهي التي يمارسها الفقيه في علم الفقه ، لها موجّهات خاصّة مادّية ، وموجّهات عامّة صورية غير مقيّدة بمادّة معيّنة ، وهذا القسم الثاني من الموجهات لم ير لها مكان معيّن في الفقه ، وليس لها مناسبة مع هذه المادّة أو تلك بالخصوص ، لذا افرد لها باب مستقلّ ، ولوحظ في هذا الإفراد نكتة الاقتصار على ذكر الموجّهات العامّة والعناصر المشتركة المأخوذة من الشارع والتي هي شأن من شؤونه ، لأنّ الأصول علم شرعيّ ، ولم يتوسّع ليشمل كلّ ما له دخل في توجيه عملية الاستنباط . وهذا ما تقتضيه طبيعة المنطق الخاصّ بعلم معيّن ؛ فإنّه يذكر فيه ما يكون موجّهاً بمقدار ذلك العلم لا ما هو أوسع من ذلك ، وإلّا للزم البحث عن كثير من العلوم تحت هذا العنوان لارتباطها بنحو من الأنحاء بعملية الاستدلال على الحكم الشرعي .

--> ( 1 ) دروس في علم الأصول ، الحلقة الأولى : تأليف الشهيد السيد آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر ( طاب ثراه ) : ص 49 .