السيد محمد باقر الصدر
14
دروس في علم الأصول ( الحلقة الثالثة )
الرابع : ما حققناه في الجزء السابق « 1 » من أنَّ الأصل العملي حكم ظاهري لوحظت فيه أهميّة المحتمل « 2 » عند التزاحم بين الملاكات الواقعية في مقام الحفظ التشريعي عند الاختلاط والاشتباه ، بينما لوحظت في أدلة الحجية « 3 » الأهميّة الناشئة من قوة الاحتمال محضاً ، وقد عرفنا سابقاً أنَّ هذه النكتة تفي بتفسير ما تتميَّز به الأمارة على الأصل من حجيّة مثبتاتها « 4 » . الأصول العملية الشرعية والعقلية وتنقسم الأصول العملية إلى شرعية وعقلية ، فالشرعية هي : ما كنا نقصده آنفاً « 5 » ، ومردُّها إلى احكام ظاهرية شرعية نشأت من ملاحظة أهمية المحتمل ، والعقلية : وظائف عملية عقلية ، ومردّها في الحقيقة إلى حق الطاعة اثباتاً ونفياً ، فحكم العقل مثلا بأنَّ الشغل اليقينيَّ يستدعي الفراغ اليقيني « 6 » ، مرجعه إلى أنَّ حق الطاعة للمولى الذي يستقل به العقل إنما هو حق الطاعة القطعية ، فلا تفي الطاعة الاحتمالية بحق المولى ، وحكم العقل بقاعدة قبح العقاب بلا بيان - على مسلك
--> ( 1 ) . الحلقة الثالثة 1 / 73 - 74 . ( 2 ) . فأصل الإباحة يقول : كلّما دار الأمر بين محتملين : الإباحة والحرمة ، فقدّم الإباحة ، لا لأنَّ درجة احتمالها أقوى لدى المكلف من الحرمة ، بل لأنَّ الإباحة في نفسها أهم لدى المولى من الحرمة . ( 3 ) . أي : أدلة حجية الأمارة . ( 4 ) . لأن ملاك حجية الامارة هو قوة الاحتمال والكاشفية عن الواقع ، وهي تكشف عن المدلول الالتزامي بنفس درجة كاشفيتها عن المدلول المطابقي . ( 5 ) . أي : هي الوظائف التي جعلها الشارع للمكلف الجاهل بالحكم الواقعي بملاك أهمية المحتمل ، كالبراءة الشرعية وأصالة الحل . ( 6 ) . وهو المعبّر عنه بأصالة الاشتغال العقليّة .