الشيخ محمد السند
293
تفسير ملاحم المحكمات
خلود القرآن الكريم إنّ من الشُّبه المثارة ، تاريخيّة القرآن الكريم ، ويقصدون بذلك أنّ نور الوحي الإلهيّ وإن كان فوق الزمان والمكان من عالم النور المحيط بالأزمنة والأمكنة ، إلّا أنّه عندما يتنزّل ، يتأرّخ ببيئة النزول ويتلوّن بالموارد والحوادث التي هي محالّ انطباقه ، فيأخذ أحكامها ، فيتحدّد ويتضيّق ويتخصّص أحكام وعلاجات وعادات وقيم بيئة النزول زماناً ومكاناً ، فلا يتناسب مع بيئة الانتشار في بُعد المكاني أو في عمود الزمان . فالقالب الوحياني ينفعل بخصوصيّة المتلقّي ، ومن ثمّ عبّر بعضهم ( الحداثويّين الغربيّين ، والفلاسفة الألسنيّين ) بأنّ النبوّة تجربة بشريّة ، أو قد يصيغون الإشكال بصيغة أخرى ، وهو أنّ منبع الوحي الإلهي لا متناهي ، بينما النبيّ فرد بشريّ محدود في تلقّيه وخصائصه ، كما أنّه يعيش في بيئة خاصّة متركّبة هويّته منها ذهنياً وروحيّاً وصفاتيّاً ، ومن ثمّ فينطبع الوحي الذي يتلقّاه بخصائص ذلك الفرد ، وأنّ التاريخانيّة من مقوّمات الفرد البشريّ . وقد تصاغ الشبهة بصياغة أخرى : أنّ الحوادث الواقعة في مدّة نزول القرآن مهما تعدّدت ، فهي محدودة لا تغطّي ولا تعمّ كلّ البيئات البشريّة ، زماناً ومكاناً ، بل تظلّ بيئة محدودة ، ونزول القرآن كان يتقيّد بحسب تلك الحوادث المحدودة ، فكلّما استجدّت حادثة نزل منه بعض الآي والسور ، ولو قدّر أنّ سيّد الأنبياء صلى الله عليه وآله عاش أكثر أو ضعف ما عاش ، لربّما شاهدنا ضعف المصحف الشريف هذا اليوم ، ومن ثمّ زُعم أنّ النبوّة تجربة ، فإنّ تلك الحوادث الواقعة كموارد وأسباب للنزول هي وليدة حركة تاريخيّة لعيّنة من أفراد البشر ، فلا تعمّ حركة الإنسان المتنوّعة في البقاع الأخرى والأزمنة اللّاحقة ، فبيئة النزول هي مجموع عادات