الشيخ محمد السند

183

تفسير ملاحم المحكمات

المصلح والمفسد ، وبين المظلوم والظالم ، وهو يكرّس في ذلك التضامن مع الفريق الأوّل ، والتأييد له ، ولنهجه ، والإدانة والشجب والكراهة للفريق الثاني ، وهو ما يعرف بالصلوات والتسليم في مقابل اللعن ، وهذا نمط تربوي لتعيش الأجيال على نهج السداد وإبعادهم عن نهج الضلال ، بل إنّ المستغرق والمتدبّر لأساليب العرض القرآني لتلك الأحداث يشاهد بوضوح تشويق القرآن وتحبيبه للفريق الأوّل بينما يشاهد تقريعه وتنفيره من الفريق الثاني ، وهو ما يُعرف بالتولّي والتبرّي والتسليم . فإنّ قوله تعالى : ( لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ . . . ) « 1 » لا يقتصر في تطبيقه على من حادد اللَّه في زمن رسول اللَّه أو الزمن الراهن ، بل هو شامل لقابيل ولعتاة أعداء الأنبياء ، كفرعون ونمرود وأصحاب تبّع وأصحاب الرّس وقوم عاد وثمود وقارون وهامان وأبي جهل والحكم بن العاص ومروان بن الحكم طريدا رسول اللَّه ، وكذلك قاتلي عترة الرسول صلى الله عليه وآله ، وبعبارة أخرى : أنّ هذه الآية عامّة بعموم تاريخ الإنسان ، ماضيها ومستقبلها وراهنها ، وتبيّن للفرد المسلم أنّه لا ينحصر اهتمامه ولا يعيش في نفس عصره فقط ، بل أنّ الإنسانيّة أجمع بكافّة قرونها كأنّها تعيش في حقبة واحدة تتفاعل اتّجاهاتها وتتجاذب فيما بين بعضها البعض ، وهذه هي حقيقة الهويّة الإنسانيّة ، فإنّها ليست مكوّنة من خصوص العصر الراهن الذي تعيشه ، بل من مجموع تراكمات تاريخيّة تتفاعل وتفرز الهويّة الراهنة للإنسان ، بل إنّ النظرة المستقبليّة هي الأخرى من مكوّنات الهويّة الراهنة . ومن ثمّ نرى القرآن الكريم يبيّن أنّ الأنبياء السابقين قد بشّروا أممهم وأقوامهم

--> ( 1 ) المجادلة 58 : 22 .