الشيخ محمد السند
184
تفسير ملاحم المحكمات
بخاتم المرسلين كما بشّروا بالآخرة ، فلا يقرّ القرآن بالفواصل والحواجر التاريخيّة ، بل هناك عولمة واحدة عبر كلّ الأزمان وليست العولمة هي بتساقط الفواصل الجغرافيّة المكانيّة ، بل نرى في تعاليم القرآن المعرفيّة وسننه في أصول التربية الاجتماعيّة أنّه يسقط الفواصل في الجغرافية الزمنيّة ، فالإنسان لا يعيش حبيس عصره ، بل هو منفتح على كلّ الأدوار الزمنيّة وكلّ الثقافات ، وعلى وتيرة تفاعل وتأثير وتأثّر ، ومن ثمّ لا نجد في القرآن الكريم تكريساً لهذه الفواصل كما لا يعترف بهذه الجدر ، بل يرى الحقب الزمانيّة منفتحة على بعضها البعض . وهذا ما سيتجسّد عيناً في عرصات المحشر ، حيث ينادي القرآن الكريم : ( قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلى مِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ ) « 1 » . فالبشريّة بأفكارها ومدارسها واتّجاهاتها تعيش مشهداً واحداً روحيّاً وعقليّاً وثقافيّاً ، تلمّ بالألوان وتلوّنات كثيرة ، وليس بإمكان فرد أو حقبة زمنيّة أن تنأى بفكرها وعقلها وروحها عن بقيّة الحقب ، إذ البيئة هذه لا تعرف الحدود الزمانيّة ، وإن اختلفت الاتّجاهات والانتماءات والأهواء ؛ وذلك لأنّ الإنسان لا يعيش ببدنه فقط المحبوس في حقبة زمنيّة ، بل من مكوّنات الإنسان الروح والعقل وقوّة الفكر والقلب بما يحمل من أحاسيس وعواطف وضمير ، فإنّ هذه القوى والمكوّنات كما هي مقرّرة في البحث العقلي موجودة في أفق ما وراء الزمان ، ويهيمن على كلّ الأزمنة ، أيمجرّدة عن هذه المادّة الغليظة الأرضيّة . ومن ثمّ شأن أفعالها وأحكام أفعالها كما هو الحال في أحكام المعارف لا يتقيّد بالزمان ، فالتبرّي والقطيعة ، والشجب والإدانة ، لا يختصّ برؤوس الظلم الذين
--> ( 1 ) الواقعة 56 : 49 و 50 .