الشيخ محمد السند

141

تفسير ملاحم المحكمات

( بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ ) « 1 » ، ومفاد هذه الآية أيضاً اجتناب الإنكار بالمساحات الغائبة من الحقيقة ، وإن لم يكن يعني ذلك ولا يستلزم التسليم بشيء من دون دلائل وبيّنات ، فإنّ بين التسليم بدون بيّنات أو الإنكار من دون بيّنات طريق ثالث معرفيّ يحثّ عليه القرآن ، وهو السعي والفحص ، ولا يمكن البناء عليه إلّابالإيمان . فتوطين النفس على وجود ما غاب عن الإدراك سبب يحثّ على المزيد من التعلّم ، بل واستمراره ، وهذا عكس الإنكار والمسارعة إلى الاسترابة والتشكيك ، فإنّه يحول دون ذلك . ثمّ إنّ هاهنا تساؤل في مغايرة تفسير الآية الكريمة بين ( يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ ) وبين قوله تعالى : ( وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ) ، فلماذا جُعل عنوان الإدراك والإذعان المتعلّق بالآخرة إيقان ، بينما جُعل المتعلّق بالغيب إيمان ، كما أنّه كذلك في قوله تعالى : ( وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ ) « 2 » ) في الآيتين ، حيث اطلق على الإذعان بالوحي النازل عليه ، وعلى الأنبياء من قِبله اطلق عليه الإيمان ، فما هو الفرق بين العنوانين ؟ ومن الملاحظ أنّ اليقين لم يُجعل متعلّقه في الآيات والروايات ، الذات الإلهيّة ، بل جُعل متعلّقه في الآيات ، الآخرة ، أو الإيقان بالآيات الإلهيّة ، أو اليقين بوجود النار ، ويُحذف متعلّقه ويقدّر بلحاظ سياق الجملة ، بينما الإذعان به تعالى جُعل دوماً بعنوان الإيمان . وقد ذكر في الآيات لليقين مراتب : علم اليقين كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ

--> ( 1 ) يونس 10 : 39 . ( 2 ) البقرة 2 : 4 .