محمد بن جرير الطبري

635

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

ما يقدر فيما بين نهر الغربي وجوى كور الا بعد ازاله هؤلاء ، فأعد ما يحتاج اليه من آلات الهدم ، واستكثر من الفعلة ، وانتخب المقاتلة الناشبة والرامحه والسودان أصحاب السيوف ، وقصد هذا الموضع على مثل قصده له المرة الأولى ، فأخرج الرجاله في المواضع التي رأى اخراجهم فيها ، وادخل عددا من الشذا النهر ، ونشبت الحرب ودامت ، وصبر الفسقه أشد صبر ، وصبر لهم أصحاب الموفق . واستمد الفسقه طاغيتهم ، فوافاهم المهلبي وسليمان بن جامع في جيشهما ، فقويت قلوبهم عند ذلك ، وحملوا على أصحاب الموفق ، وخرج سليمان كمينا مما يلي جوى كور ، فازالوا أصحاب الموفق حتى انتهوا إلى سفنهم ، وقتلوا منهم جماعه وانصرف الموفق ولم يبلغ كل الذي أراد ، وتبين انه قد كان يجب ان يحارب الفسقه من عده مواضع ، ليفرق جمعهم ، فيخف وطؤهم على من يقصد لهذا الموضع الصعب ، وينال منه ما يحب ، فعزم على معاودتهم ، وتقدم إلى أبى العباس وغيره من قواده في العبور واختيار انجاد رجالهم ، ووكل مسرورا مولاه بالنهر المعروف بمنكى ، وامره ان يخرج رجاله في ذلك الموضع وما يتصل به من الجبال والنخل ، لتشتغل قلوب الفجره ، وليروا ان عليهم تدبيرا من تلك الجهة وامر أبا العباس باخراج أصحابه على جوى كور ، ونظم الشذا على هذه المواضع حتى انتهى إلى الموضع المعروف بالدباسين ، وهو أسفل نهر الغربي ، وصار الموفق إلى نهر الغربي ، وامر قواده وغلمانه ان يخرجوا في أصحابهم فيحاربوا الفسقه في حصنهم ومعقلهم ، والا ينصرفوا عنهم حتى يفتح الله لهم ، أو يبلغ ارادته منهم ووكل بالسور من يهدمه ، وتسرع الفسقه كعادتهم ، واطمعهم ما تقدم من الوقعتين اللتين ذكرناهما ، فثبت لهم غلمان الموفق ، وصدقوهم اللقاء ، فانزل الله عليهم نصره ، فازالوا الفسقه عن مواقفهم ، وقوى أصحاب الموفق ، فحملوا عليهم حمله كشفوهم بها ، فانهزموا وخلوا عن حصنهم ، وصار في أيدي غلمان الموفق فهدموه ، واحرقوا