محمد بن جرير الطبري

634

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

الكرنبائى إلى النهر المعروف بجوى كور ، لأنه كان في هذا الموضع جل منازل أصحابه ومساكنهم ، وكان من حد جوى كور إلى نهر الغربي بساتين ومواضع قد أخلوها ، والسور والخندق محيطان بها ، وكانت الحرب إذا وقعت في هذا الموضع قصدوا من موضعهم اليه للمحاماه عنه والمنع منه ، فرأى الموفق عند ذلك ان يخرب باقي السور إلى نهر الغربي ، ففعل ذلك بعد حرب طويله في مده بعيده . وكان الفاسق في الجانب الشرقي من نهر الغربي في عسكر فيه جمع من الزنج وغيرهم متحصنين بسور منيع وخنادق ، وهم اجلد أصحاب الخبيث وشجعانهم ، فكانوا يحامون عما قرب من سور نهر الغربي ، وكانوا يخرجون في ظهور أصحاب الموفق في وقت الحرب على جوى كور وما يليه ، فامر الموفق بقصد هذا الموضع ومحاربه من فيه وهدم سوره وازاله المتحصنين به ، فتقدم عند ذلك إلى أبى العباس وعده من قواد غلمانه ومواليه في التأهب لذلك ، ففعلوا ما أمروا به ، وصار الموفق بمن أعده إلى نهر الغربي ، وامر بالشذا فنظمت من حد النهر المعروف بجوى كور إلى الموضع المعروف بالدباسين ، وخرج المقاتلة على جنبتي نهر الغربي ، ووضعت السلاليم على السور . وقد كانت لهم عليه عده عرادات ، ونشبت الحرب ، ودامت مذ أول النهار إلى بعد الظهر ، وهدم من السور مواضع ، واحرق ما كان عليه من العرادات ، وتحاجز الفريقان ، وليس لأحدهما فضل على صاحبه الا ما وصل اليه أصحاب الموفق من هذه المواضع التي هدموها واحراق العرادات ، ونال الفريقين من ألم الجراح امر غليظ موجع . فانصرف الموفق وجميع أصحابه إلى الموفقيه ، فامر بمداواه الجرحى ، ووصل كل امرئ على قدر الجراح التي اصابته ، وعلى ذلك كان اجرى التدبير في جميع وقائعه منذ أول محاربته الفاسق إلى أن قتله الله . وأقام الموفق بعد هذه الوقعة مده ، ثم رأى معاوده هذا الموضع والتشاغل به دون المواضع ، لما رأى من حصانته وشجاعة من فيه وصبرهم ، وانه لا يتهيأ