محمد بن جرير الطبري

595

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

وانصرف فاجتاز في منصرفه بمدينه الخبيث ، حتى انتهى إلى الموضع المعروف بنهر الأتراك ، فرأى أصحابه من قله عدد الزنج في هذا الموضع من النهر ما طمعوا له فيمن كان هناك ، فقصدوا نحوهم ، وقد انصرف أكثر أصحابهم إلى المدينة الموفقيه ، فقربوا إلى الأرض ، وصعدوا وأمعنوا في دخول تلك المسالك ، وعلت جماعه منهم السور ، وعليه فريق من الزنج وأشياعهم ، فقتلوا من أصابوا منهم هنالك ، ونذر الفاسق بهم ، فاجتمعوا لحربهم ، وانجد بعضهم بعضا . فلما رأى أبو العباس اجتماع الخبثاء وتحاشدهم وكثره من ثاب إلى ذلك الموضع منهم ، مع قله عدد من هنالك من أصحابه ، كر راجعا إليهم فيمن كان معه في الشذا ، وارسل إلى الموفق يستمده ، فوافاه لمعونته من خف لذلك من الغلمان في الشذا والسميريات ، فظهروا على الزنج وهزموهم ، وقد كان سليمان بن جامع لما رأى ظهور أصحاب أبى العباس على الزنج ، وغل في النهر مصاعدا في جمع كثير ، فانتهى إلى النهر المعروف بعبد الله ، واستدبر أصحاب أبى العباس وهم في حربهم ، مقبلين على من بإزائهم ممن يحاربهم ، فيمعنون في طلب من انهزم عنهم من الزنج فخرج عليهم من ورائهم ، وخفقت طبوله ، فانكشف أصحاب أبى العباس ، ورجع عليهم من كان انهزم عنهم من الزنج ، فأصيبت جماعه من غلمان الموفق وغيرهم من جنده ، وصار في أيدي الزنج عده اعلام ومطارد ، وحامى أبو العباس عن الباقين من أصحابه ، فسلم أكثرهم ، فانصرف بهم ، فاطمعت هذه الوقعة الزنج وتباعهم ، وشدت قلوبهم ، فاجمع الموفق على العبور بجيشه اجمع لمحاربه الخبيث ، وامر أبا العباس وسائر القواد والغلمان بالتأهب للعبور ، وامر بجمع السفن والمعابر وتفريقها عليهم ، ووقف على يوم بعينه أراد العبور فيه ، فعصفت رياح منعت من ذلك ، واتصل عصوفها أياما كثيره ، فامهل الموفق حتى انقضى هبوب تلك الرياح ، ثم أخذ في الاستعداد للعبور ومناجزه الفاجر