محمد بن جرير الطبري
596
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
فلما تهيأ له ما أراد من ذلك عبر يوم الأربعاء لست ليال بقين من ذي الحجة من سنه سبع وستين ومائتين في اكثف جمع وأكمل عده ، وامر بحمل خيل كثيره في السفن ، وتقدم إلى أبى العباس في المسير في الخيل ومعه جميع قواده الفرسان ورجالتهم ، ليأتي الفجره من ورائهم من مؤخر النهر المعروف بمنكى ، وامر مسرورا البلخي مولاه بالقصد إلى نهر الغربي ليضطر الخبيث بذلك إلى تفريق أصحابه ، وتقدم إلى نصير المعروف بابى حمزه ورشيق غلام أبى العباس وهو من أصحابه - وشذواته في مثل العدة التي فيها نصير - بالقصد لفوهه نهر أبى الخصيب والمحاربة لما يظهر من شذوات الخبيث ، وقد كان استكثر منها ، وأعد فيها المقاتلة وانتخبهم وقصد أبو احمد بجميع من معه لركن من أركان مدينه الخبيث قد كان حصنه بابنه المعروف بانكلاى ، وكنفه بعلى بن ابان وسليمان بن جامع وإبراهيم بن جعفر الهمداني وحفه بالمجانيق والعرادات والقسي الناكية ، وأعد فيه الناشبة وجمع فيه أكثر جيشه . فلما التقى الجمعان امر الموفق غلمانه : الناشبة والرامحه والسودان ، بالدنو من الركن الذي فيه جمع الفسقه ، وبينه وبينهم النهر المعروف بنهر الأتراك ، وهو نهر عريض غزير الماء فلما انتهوا اليه أحجموا عنه ، فصيح بهم ، وحرضوا على العبور فعبروا سباحه ، والفسقه يرمونهم بالمجانيق والعرادات والمقاليع والحجارة عن الأيدي ، وبالسهام عن القسي الناوكيه ، وقسى الرجل وصنوف الآلات التي يرمى عنها ، فصبروا على جميع ذلك حتى جاوزوا النهر ، وانتهوا إلى السور ، ولم يكن لحقهم من الفعلة من كان أعد لهدمه فتولى الغلمان تشعيث السور بما كان معهم من سلاحهم ويسر الله ذلك ، وسهلوا لأنفسهم السبيل إلى علوه ، وحضرهم بعض السلاليم التي كانت أعدت لذلك ، فعلوا الركن ، ونصبوا هنالك علما من اعلام الموفق ، واسلم الفسقه سورهم ، وخلوا عنه بعد ان حوربوا عليه أشد حرب ، وقتل من الفريقين خلق كثير ، وأصيب غلام من غلمان الموفق يقال له ثابت بسهم في بطنه فمات ، وكان من قواد الغلمان وجلتهم . ولما تمكن أصحاب الموفق من سور الفسقه ، احرقوا ما كان عليه من منجنيق