محمد بن جرير الطبري

582

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

فامر أبو احمد أبا العباس ومن معه بالرجوع إلى مواقفهم ليروحوا عن أنفسهم ويداووا جراحهم ، ففعلوا ذلك . واستأمن إلى أبى احمد في تلك الحال مقاتلان من مقاتله السميريات ، فاتوه بسميريتهما وما فيها من الآلات والملاحين ، فامر للمقاتلين بخلع ديباج ومناطق محلاه ، ووصلهما ، وامر للملاحين بخلع من خلع الحرير الأحمر والثياب البيض بما حسن موقعه منهم وعمهم جميعا بصلاته ، وامر بادنائهم من الموضع الذي يراهم فيه نظراؤهم ، فكان ذلك من ابخع المكايد التي كيد بها الفاسق فلما رأى الباقون ما صار اليه أصحابهم من العفو عنهم والاحسان إليهم ، رغبوا في الأمان وتنافسوا فيه ، فابتدروه مسرعين نحوه ، راغبين فيما شرع لهم منه فصار إلى أبى احمد في ذلك اليوم عدد من أصحاب السميريات ، فامر فيهم بمثل ما امر به في أصحابهم فلما رأى الخبيث ركون أصحاب السميريات إلى الأمان واغتنامهم له امر برد من كان منهم في دجلة إلى نهر أبى الخصيب ، ووكل بفوهه النهر من يمنعهم من الخروج ، وامر باظهار شذواته ، وندب لهم بهبوذ بن عبد الوهاب وهو من أشد حماته بأسا ، وأكثرهم عددا وعده ، فانتدب بهبوذ لذلك في أصحابه ، وكان ذلك في وقت اقبال المد وقوته ، وقد تفرقت شذوات أبى احمد ، ولحق أبو حمزه فيما معه منها بشرقى دجلة ، فأقام هنالك وهو يرى أن الحرب قد انقضت ، واستغنى عنه . فلما ظهر بهبوذ فيما معه من الشذوات امر أبو احمد بتقديم شذواته ، وامر أبا العباس بالحمل على بهبوذ بما معه من الشذا ، وتقدم إلى قواده وغلمانه بالحمل معه ، وكان الذي صلى بالحرب من الشذوات التي مع أبى العباس وزيرك من الشذوات التي رتب فيها قواد الغلمان اثنتي عشره شذاه فنشبت الحرب ، وطمع أصحاب الفاسق في أبى العباس وأصحابه لقله عدد شذواتهم . فلما صدموا انهزموا ووجه أبو العباس ومن معه في طلب بهبوذ ، فالجئوه إلى فناء قصر الخبيث ، واصابته طعنتان ، وجرح بالسهام جراحات ، وأوهنت