محمد بن جرير الطبري
38
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
وهذا الحجر أخذته من السور ! فقال له : الساعة ، إذا انصرفت تدرى من على طريقك جالس - يعنى العسكر الذي وثب على بخاراخذاه من وراء الناس . ثم قال الافشين لأبي سعيد في وجه جعفر : أحسن الله جزاءك عن نفسك وعن أمير المؤمنين ، فانى ما علمتك عالما بأمر هذه العساكر وسياستها ، ليس كل من حف رأسه يقول : ان الوقوف في الموضع الذي يحتاج اليه خير . من المحاربة في الموضع الذي لا يحتاج اليه ، لو وثب هؤلاء الذين تحتك - وأشار إلى الكمين الذي تحت الجبل - كيف كنت ترى هؤلاء المطوعة الذين هم في القمص ؟ اى شيء كان يكون حالهم ، ومن كان يجمعهم ؟ الحمد لله الذي سلمهم ، فقف هاهنا فلا تبرح حتى لا يبقى هاهنا أحد وانصرف الافشين ، وكان من سنته إذا بدا بالانصراف ينحدر علم الكراديس وفرسانه ورجالته ، والكردوس الآخر واقف بينه وبينه قدر رميه سهم ، لا يدنو من العقبة ، ولا من المضيق ، حتى يرى أنه قد عبر كل من في الكردوس الذي بين يديه وخلا به الطريق ، ثم يدنو بعد ذلك فينحدر في الكردوس الآخر بفرسانه ورجالته ، ولا يزال كذلك ، وقد عرف كل كردوس من خلف من ينصرف ، فلم يكن يتقدم أحد منهم بين يدي صاحبه ، ولا يتأخر هكذا ، حتى إذا نفذت الكراديس كلها ولم يبق أحد غير بخاراخذاه ، انحدر بخاراخذاه وخلى العقبة . فانصرف ذلك اليوم على هذه الهيئة ، وكان أبو سعيد آخر من انصرف ، وكلما مر العسكر بموضع بخاراخذاه ، ونظروا إلى الموضع الذي كان فيه الكمين ، علموا ما كان وطيء لهم ، وتفرق أولئك الاعلاج الذين أرادوا أخذ الموضع الذي كان بخاراخذاه يحفظه ، ورجعوا إلى مواضعهم ، فأقام الافشين في خندقه بروذ الروذ أياما ، فشكا اليه المطوعة الضيق في العلوفه والأزواد والنفقات ، فقال لهم : من صبر منكم فليصبر ، ومن لم يصبر فالطريق واسع فلينصرف بسلام ، معي جند أمير المؤمنين ، ومن هو في ارزاقه يقيمون معي في الحر والبرد ، ولست أبرح من هاهنا حتى يسقط الثلج فانصرف المطوعة وهم يقولون : لو ترك الافشين جعفرا وتركنا لأخذنا البذ ، هذا لا يشتهى