محمد بن جرير الطبري

39

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

الا المماطله ، فبلغه ذلك وما كثر المطوعة فيه ، ويتناولونه بألسنتهم وانه لا يحب المناجزة ، وانما يريد التطويل ، حتى قال بعضهم انه رأى في المنام ، ان رسول الله ص قال له : قل للافشين : ان أنت حاربت هذا الرجل وجددت في امره والا أمرت الجبال ان ترجمك بالحجارة ، فتحدث الناس بذلك في العسكر علانية ، كأنه مستور ، فبعث الافشين إلى رؤساء المطوعة ، فاحضرهم وقال لهم : أحب ان تروني هذا الرجل ، فان الناس يرون في المنام أبوابا ، فاتوه بالرجل في جماعه من الناس ، فسلم عليه ، فقربه وأدناه ، وقال له : قص على رؤياك ، لا تحتشم ولا تستحي ، فإنما تؤدى قال : رايت كذا ورايت كذا ، فقال : الله يعلم كل شيء قبل كل أحد ، وما أريد بهذا الخلق ان الله تبارك وتعالى لو أراد ان يأمر الجبال ان ترجم أحدا لرجم الكافر ، وكفانا مؤنته ، كيف يرجمنى حتى اكفيه مؤنه الكافر كان يرجمه ، ولا يحتاج ان أقاتله انا ، وانا اعلم أن الله عز وجل لا يخفى عليه خافية ، فهو مطلع على قلبي ، وما أريد بكم يا مساكين ! فقال رجل من المطوعة من أهل الدين : يايها الأمير ، لا تحرمنا شهاده ان كانت قد حضرت ، وانما قصدنا وطلبنا ثواب الله ووجهه ، فدعنا وحدنا حتى نتقدم بعد ان يكون باذنك ، فلعل الله ان يفتح علينا فقال الافشين : انى أرى نياتكم حاضره ، واحسب هذا الأمر يريده الله ، وهو خير إن شاء الله ، وقد نشطتم ونشط الناس ، والله اعلم ما كان هذا رأيي ، وقد حدث الساعة لما سمعت من كلامكم ، وأرجو ان يكون أراد هذا الأمر وهو خير ، اعزموا على بركة الله اى يوم أحببتم حتى نناهضهم ، ولا حول ولا قوه الا بالله ! فخرج القوم مستبشرين فبشروا أصحابهم ، فمن كان أراد ان ينصرف أقام ، ومن كان في القرب وقد خرج مسيره أيام فسمع بذلك رجع ، ووعد الناس ليوم ، وامر الجند والفرسان والرجاله وجميع الناس بالاهبه ، واظهر انه يريد الحرب لا محاله وخرج الافشين وحمل المال والزاد ، ولم يبق في العسكر بغل الا وضع عليه محمل للجرحى ، واخرج معه المتطببين ، وحمل الكعك والسويق وغير ذلك ، وجميع ما يحتاج اليه ، وزحف