محمد بن جرير الطبري
233
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
وذكر عن أبي حشيشه انه كان يقول : كان المأمون يقول : ان الخليفة بعدي في اسمه عين ، فكان يظن أنه العباس ابنه فكان المعتصم ، وكان يقول : وبعده هاء ، فيظن انه هارون ، فكان الواثق ، وكان يقول : وبعده اصفر الساقين ، فكان يظن أنه أبو الحائز العباس فكان المتوكل ذلك ، فلقد رايته إذا جلس على السرير يكشف ساقيه ، فكانا أصفرين ، كأنما صبغا بزعفران . وذكر عن يحيى بن أكثم ، أنه قال : حضرت المتوكل ، فجرى بيني وبينه ذكر المأمون وكتبه إلى الحسن بن سهل ، فقلت بتفضيله وتقريظه ووصف محاسنه وعلمه ومعرفته ونباهته قولا كثيرا ، لم يقع بموافقه بعض من حضر ، فقال المتوكل : كيف كان يقول في القرآن ؟ قلت : كان يقول : ما مع القرآن حاجه إلى علم فرض ، ولا مع سنه الرسول ص وحشة إلى فعل أحد ، ولا مع البيان والافهام حجه لتعلم ، ولا بعد الجحود للبرهان والحق الا السيف لظهور الحجة فقال له المتوكل : لم أرد منك ما ذهبت اليه من هذا المعنى ، قال له يحيى : القول بالمحاسن في المغيب فريضة على ذي نعمه ، قال : فما كان يقول خلال حديثه ، فان المعتصم بالله يرحمه الله كان يقوله ، وقد انسيته ؟ فقال : كان يقول : اللهم إني أحمدك على النعم التي لا يحصيها أحد غيرك ، واستغفرك من الذنوب التي لا يحيط بها الا عفوك . قال : فما كان يقول إذا استحسن شيئا أو بشر بشيء ، فقد كان المعتصم بالله امر علي بن يزداد ان يكتبه لنا ، فكتبه فعلمناه ثم انسيناه ؟ قال : كان يقول : ان ذكر آلاء الله ونشرها وتعداد نعمه والحديث بها فرض من الله على أهلها ، وطاعه لأمره فيها ، وشكر له عليها ، فالحمد لله العظيم الآلاء ، السابغ النعماء بما هو أهله ، ومستوجبه من محامده القاضيه حقه ، البالغة شكره ، الموجبة مزيده على ما لا يحصيه تعدادنا ، ولا يحيط به ذكرنا ، من ترادف مننه ، وتتابع فضله ، ودوام طوله ، حمد من يعلم أن ذلك منه ، والشكر له عليه فقال المتوكل : صدقت ، هذا هو الكلام بعينه ، وهذا كله حكم من ذي حنكه وعلم ، وانقضى المجلس