محمد بن جرير الطبري
652
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
وذكر عن محمد بن علي بن صالح السرخسي ، قال : تعرض رجل للمأمون بالشام مرارا ، فقال له : يا أمير المؤمنين ، انظر لعرب الشام كما نظرت لعجم أهل خراسان ! فقال : أكثرت على يا أخا أهل الشام ، والله ما أنزلت قيسا عن ظهور الخيل الا وانا أرى انه لم يبق في بيت مالي درهم واحد ، واما اليمن فوالله ما أحببتها ولا أحبتني قط ، واما قضاعة فسادتها تنتظر السفياني وخروجه فتكون من أشياعه ، واما ربيعه فساخطه على الله منذ بعث نبيه من مضر ، ولم يخرج اثنان الا خرج أحدهما شاريا ، اعزب فعل الله بك ! وذكر عن سعيد بن زياد انه لما دخل على المأمون بدمشق قال له : أرني الكتاب الذي كتبه رسول الله ص لكم ، قال : فأريته ، قال : فقال : انى لأشتهي ان ادرى اى شيء هذا الغشاء على هذا الخاتم ؟ قال : فقال له أبو إسحاق : حل العقد حتى تدرى ما هو ، قال : فقال : ما أشك ان النبي ص عقد هذا العقد ، وما كنت لأحل عقدا عقده رسول الله ص ثم قال للواثق : خذه فضعه على عينك ، لعل الله ان يشفيك قال : وجعل المأمون يضعه على عينه ويبكى وذكر عن العيشي صاحب إسحاق بن إبراهيم ، أنه قال : كنت مع المأمون بدمشق ، وكان قد قل المال عنده حتى ضاق ، وشكا ذلك إلى أبى إسحاق المعتصم ، فقال له : يا أمير المؤمنين ، كأنك بالمال وقد وافاك بعد جمعه قال : وكان حمل اليه ثلاثون الف الف من خراج ما يتولاه له ، قال : فلما ورد عليه ذلك المال ، قال المأمون ليحيى بن أكثم : اخرج بنا ننظر إلى هذا المال ، قال : فخرجا حتى اصحرا ، ووقفا ينظرانه ، وكان قد هيئ بأحسن هيئة ، وحليت اباعره ، والبست الأحلاس الموشاة والجلال المصبغه وقلدت العهن ، وجعلت البدر بالحرير الصيني الأحمر والأخضر والأصفر ، وأبديت رءوسها قال : فنظر المأمون إلى شيء حسن ، واستكثر ذلك ، فعظم في عينه ، واستشرفه الناس ينظرون اليه ، ويعجبون منه ، فقال المأمون ليحيى : يا أبا محمد ، ينصرف أصحابنا هؤلاء الذين تراهم الساعة خائبين إلى منازلهم ،