محمد بن جرير الطبري
647
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
أرجلهما في ماء البدندون ، فقال : يا سعيد ، دل رجليك في هذا الماء وذقه ، فهل رايت ماء قط أشد بردا ، ولا أعذب ولا اصفى صفاء منه ! ففعلت وقلت : يا أمير المؤمنين ، ما رايت مثل هذا قط ، قال : اى شيء يطيب ان يؤكل ويشرب هذا الماء عليه ؟ فقلت : أمير المؤمنين اعلم ، فقال : رطب الازاذ ، فبينا هو يقول هذا إذا سمع وقع لجم البريد فالتفت ، فنظر فإذا بغال من بغال البريد ، على اعجازها حقائب فيها الالطاف ، فقال لخادم له : اذهب فانظر : هل في هذه الالطاف رطب ؟ فانظره ، فإن كان آزاذ فات به ، فجاء يسعى بسلتين فيهما رطب آزاذ ، كأنما جنى من النخل تلك الساعة ، فأظهر شكرا لله تعالى ، وكثر تعجبنا منه ، فقال : ادن فكل ، فأكل هو وأبو إسحاق ، واكلت معهما ، وشربنا جميعا من ذلك الماء ، فما قام منا أحد الا وهو محموم ، فكانت منيه المأمون من تلك العلة ، ولم يزل المعتصم عليلا حتى دخل العراق ، ولم أزل عليلا حتى كان قريبا . ولما اشتدت بالمأمون علته بعث إلى ابنه العباس ، وهو يظن أن لن يأتيه ، فأتاه وهو شديد المرض متغير العقل ، قد نفذت الكتب بما نفذت له في امر أبى إسحاق بن الرشيد ، فأقام العباس عند أبيه أياما ، وقد أوصى قبل ذلك إلى أخيه أبى إسحاق . وقيل : لم يوص الا والعباس حاضر ، والقضاة والفقهاء والقواد والكتاب ، وكانت وصيته : هذا ما اشهد عليه عبد الله بن هارون أمير المؤمنين بحضره من حضره ، اشهدهم جميعا على نفسه انه يشهد ومن حضره ان الله عز وجل وحده لا شريك له في ملكه ، ولا مدبر لأمره غيره ، وانه خالق وما سواه مخلوق ، ولا يخلو القرآن ان يكون شيئا له مثل ، ولا شيء مثله تبارك وتعالى ، وان الموت حق ، والبعث حق ، والحساب حق ، وثواب المحسن الجنة وعقاب المسئ ، النار ، وان محمدا ص قد بلغ عن ربه شرائع دينه ، وأدى نصيحته إلى أمته ، حتى قبضه الله اليه صلى الله عليه أفضل صلاه