محمد بن جرير الطبري
633
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
بذلك عندهم وتصنعا للرئاسة والعدالة فيهم ، فتركوا الحق إلى باطلهم ، واتخذوا دون الله وليجة إلى ضلالتهم ، فقبلت بتزكيتهم لهم شهادتهم ، ونفذت احكام الكتاب بهم على دغل دينهم ، ونغل اديمهم ، وفساد نياتهم ويقينهم . وكان ذلك غايتهم التي إليها اجروا ، وإياها طلبوا في متابعتهم والكذب على مولاهم ، وقد أخذ عليهم ميثاق الكتاب الا يقولوا على الله الا الحق ، ودرسوا ما فيه ، أولئك الذين اصمهم الله وأعمى أبصارهم ، « أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها » . فرأى أمير المؤمنين ان أولئك شر الامه ورؤوس الضلالة ، المنقوصون من التوحيد حظا ، والمخسوسون من الايمان نصيبا ، واوعيه الجهالة واعلام الكذب ولسان إبليس الناطق في أوليائه ، والهائل على أعدائه ، من أهل دين الله ، وأحق من يتهم في صدقه ، وتطرح شهادته ، لا يوثق بقوله ولا عمله ، فإنه لا عمل الا بعد يقين ، ولا يقين الا بعد استكمال حقيقة الاسلام ، واخلاص التوحيد ، ومن عمى عن رشده وحظه من الايمان بالله وبتوحيده ، كان عما سوى ذلك من عمله والقصد في شهادته أعمى وأضل سبيلا ولعمر أمير المؤمنين ان احجى الناس بالكذب في قوله ، وتخرص الباطل في شهادته ، من كذب على الله ووحيه ، ولم يعرف الله حقيقة معرفته ، وان أولاهم برد شهادته في حكم الله ودينه من رد شهاده الله على كتابه ، وبهت حق الله بباطله . فاجمع من بحضرتك من القضاة ، واقرا عليهم كتاب أمير المؤمنين هذا إليك ، فابدا بامتحانهم فيما يقولون وتكشيفهم عما يعتقدون ، في خلق الله القرآن واحداثه ، واعلمهم ان أمير المؤمنين غير مستعين في عمله ، ولا واثق فيما قلده الله ، واستحفظه من أمور رعيته بمن لا يوثق بدينه وخلوص توحيده ويقينه ، فإذا أقروا بذلك ووافقوا أمير المؤمنين فيه ، وكانوا على سبيل الهدى والنجاة فمرهم بنص من يحضرهم من الشهود على الناس ومسألتهم عن علمهم في القرآن ، وترك اثبات شهاده من لم يقر انه مخلوق محدث ولم يره ، والامتناع من توقيعها