محمد بن جرير الطبري

632

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

يسال أمير المؤمنين ان يوفقه لعزيمه الرشد وصريمته والاقساط فيما ولاه الله من رعيته برحمته ومنته وقد عرف أمير المؤمنين ان الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشو الرعية وسفله العامة ممن لا نظر له ولا رويه ولا استدلال له بدلالة الله وهدايته والاستضاءة بنور العلم وبرهانه في جميع الأقطار والآفاق أهل جهاله بالله ، وعمى عنه ، وضلاله عن حقيقة دينه وتوحيده والايمان به . ونكوب عن واضحات اعلامه وواجب سبيله ، وقصور ان يقدروا الله حق قدره ، ويعرفوه كنه معرفته ، ويفرقوا بينه وبين خلقه ، لضعف آرائهم ونقص عقولهم وجفائهم عن التفكر والتذكر ، وذلك انهم ساووا بين الله تبارك وتعالى وبين ما انزل من القرآن ، فاطبقوا مجتمعين ، واتفقوا غير متعاجمين ، على أنه قديم أول لم يخلقه الله ويحدثه ويخترعه ، وقد قال الله عز وجل في محكم كتابه الذي جعله لما في الصدور شفاء ، وللمؤمنين رحمه وهدى : « إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا » ، فكل ما جعله الله فقد خلقه ، وقال : « الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ » ، وقال عز وجل : « كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ » ، فأخبر انه قصص لأمور أحدثه بعدها وتلا به متقدمها ، وقال : « الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ » ، وكل محكم مفصل فله محكم مفصل ، والله محكم كتابه ومفصله ، فهو خالقه ومبتدعه . ثم هم الذين جادلوا بالباطل فدعوا إلى قولهم ، ونسبوا أنفسهم إلى السنة ، وفي كل فصل من كتاب الله قصص من تلاوته مبطل قولهم ، ومكذب دعواهم ، يرد عليهم قولهم ونحلتهم ثم أظهروا مع ذلك انهم أهل الحق والدين والجماعة ، وان من سواهم أهل الباطل والكفر والفرقة ، فاستطالوا بذلك على الناس ، وغروا به الجهال حتى مال قوم من أهل السمت الكاذب ، والتخشع لغير الله ، والتقشف لغير الدين إلى موافقتهم عليه ، ومواطاتهم على سيئ آرائهم ، تزينا