محمد بن جرير الطبري

590

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

الله بذلك عيشهم ويرزقك به بركه وزيادة واجر للاضراء من بيت المال ، وقدم حمله القرآن منهم والحافظين لأكثره في الجرايه على غيرهم ، وانصب لمرضى المسلمين دورا تؤويهم ، وقواما يرفقون بهم ، وأطباء يعالجون اسقامهم ، واسعفهم بشهواتهم ما لم يؤد ذلك إلى سرف في بيت المال واعلم أن الناس إذا أعطوا حقوقهم وأفضل أمانيهم لم يرضهم ذلك ، ولم تطب أنفسهم دون رفع حوائجهم إلى ولاتهم طمعا في نيل الزيادة ، وفضل الرفق منهم ، وربما برم المتصفح لأمور الناس لكثرة ما يرد عليه ، ويشغل فكره وذهنه منها ما يناله به مؤنه ومشقة ، وليس من يرغب في العدل ، ويعرف محاسن أموره في العاجل وفضل ثواب الأجل ، كالذي يستقبل ما يقربه إلى الله ، ويلتمس رحمته به وأكثر الاذن للناس عليك ، وابرز لهم وجهك ، وسكن لهم احراسك ، واخفض لهم جناحك ، واظهر لهم بشرك ، ولن لهم في المسألة والمنطق ، واعطف عليهم بجودك وفضلك ، وإذا أعطيت فأعط بسماحه وطيب نفس ، والتمس الصنيعه والاجر غير مكدر ولا منان ، فان العطية على ذلك تجاره مربحه إن شاء الله . واعتبر بما ترى من أمور الدنيا ومن مضى من قبلك من أهل السلطان والرياسة في القرون الخالية والأمم البائده ، ثم اعتصم في أحوالك كلها بأمر الله ، والوقوف عند محبته ، والعمل بشريعته وسنته واقامه دينه وكتابه ، واجتنب ما فارق ذلك وخالفه ، ودعا إلى سخط الله واعرف ما يجمع عمالك من الأموال وينفقون منها ولا تجمع حراما ، ولا تنفق إسرافا ، وأكثر مجالسه العلماء ومشاورتهم ومخالطتهم وليكن هواك اتباع السنن وإقامتها ، وايثار مكارم الأمور ومعاليها ، وليكن أكرم دخلائك وخاصتك عليك من إذا رأى عيبا فيك لم تمنعه هيبتك من إنهاء ذلك إليك في سر ، واعلامك ما فيه من النقص ، فان أولئك انصح أوليائك ومظاهريك . وانظر عمالك الذين بحضرتك وكتابك ، فوقت لكل رجل منهم في كل