محمد بن جرير الطبري

591

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

يوم وقتا يدخل عليك فيه بكتبه ومؤامرته ، وما عنده من حوائج عمالك ، وامر كورك ورعيتك ، ثم فرغ لما يورده عليك من ذلك سمعك وبصرك وفهمك وعقلك ، وكرر النظر اليه والتدبير له ، فما كان موافقا للحزم والحق فامضه واستخر الله فيه ، وما كان مخالفا لذلك فاصرفه إلى التثبت فيه ، والمسألة عنه . ولا تمنن على رعيتك ولا على غيرهم بمعروف تأتيه إليهم ، ولا تقبل من أحد منهم الا الوفاء والاستقامة والعون في أمور أمير المؤمنين ، ولا تضعن المعروف الا على ذلك . وتفهم كتابي إليك ، وأكثر النظر فيه والعمل به ، واستعن بالله على جميع أمورك واستخره ، فان الله مع الصلاح وأهله ، وليكن أعظم سيرتك وأفضل رغبتك ما كان لله رضا ولدينه نظاما ، ولأهله عزا وتمكينا ، وللذمه والملة عدلا وصلاحا . وانا اسال الله ان يحسن عونك وتوفيقك ورشدك وكلاءك ، وان ينزل عليك فضله ورحمته بتمام فضله عليك وكرامته لك ، حتى يجعلك أفضل مثالك نصيبا ، وأوفرهم حظا ، واسناهم ذكرا ، وامرا ، وان يهلك عدوك ومن ناواك وبغى عليك ، ويرزقك من رعيتك العافية ، ويحجز الشيطان عنك وساوسه ، حتى يستعلى امرك بالعز والقوه والتوفيق ، انه قريب مجيب . وذكر ان طاهرا لما عهد إلى ابنه عبد الله هذا العهد تنازعه الناس وكتبوه ، وتدارسوه وشاع امره ، حتى بلغ المأمون فدعا به وقرئ عليه ، فقال : ما بقي أبو الطيب شيئا من امر الدين والدنيا والتدبير والرأي والسياسة واصلاح الملك والرعية وحفظ البيضة وطاعه الخلفاء وتقويم الخلافة الا وقد احكمه ، وأوصى به وتقدم ، وامر ان يكتب بذلك إلى جميع العمال في نواحي الاعمال . وتوجه عبد الله إلى عمله فسار بسيرته ، واتبع امره وعمل بما عهد اليه