محمد بن جرير الطبري
584
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
فآثره في دنياك كلها ، ولا تقصر في طلب الآخرة والاجر والاعمال الصالحة والسنن المعروفة ، ومعالم الرشد فلا غاية للاستكثار من البر والسعي له ، إذا كان يطلب به وجه الله ومرضاته ، ومرافقه أوليائه في دار كرامته . واعلم أن القصد في شان الدنيا يورث العز ، ويحصن من الذنوب ، وانك لن تحوط نفسك ومن يليك ، ولا تستصلح أمورك بأفضل منه ، فاته واهتد به ، تتم أمورك ، وتزدد مقدرتك ، وتصلح خاصتك وعامتك . وأحسن الظن بالله عز وجل تستقم لك رعيتك ، والتمس الوسيلة اليه في الأمور كلها تستدم به النعمة عليك ، ولا تنهض أحدا من الناس فيما توليه من عملك قبل تكشف امره بالتهمة ، فان إيقاع التهم بالبراء والظنون السيئة بهم مأثم واجعل من شانك حسن الظن بأصحابك واطرد عنهم سوء الظن بهم ، وارفضه عنهم يعنك ذلك على اصطناعهم ورياضتهم . ولا يجدن عدو الله الشيطان في امرك مغمزا ، فإنه انما يكتفى بالقليل من وهنك فيدخل عليك من الغم في سوء الظن ما ينغصك لذاذة عيشك . واعلم انك تجد بحسن الظن قوه وراحه ، وتكفى به ما أحببت كفايته من أمورك ، وتدعو به الناس إلى محبتك والاستقامة في الأمور كلها لك ولا يمنعك حسن الظن بأصحابك والرأفة برعيتك ان تستعمل المسألة والبحث عن أمورك ، والمباشرة لأمور الأولياء ، والحياطة للرعية والنظر فيما يقيمها ويصلحها ، بل لتكن المباشرة لأمور الأولياء والحياطة للرعية والنظر في حوائجهم وحمل مؤناتهم آثر عندك مما سوى ذلك ، فإنه أقوم للدين ، وأحيا للسنة . واخلص نيتك في جميع هذا ، وتفرد بتقويم نفسك تفرد من يعلم أنه مسؤول عما صنع ، ومجزى بما أحسن ، ومأخوذ بما أساء ، فان الله جعل الدين حرزا وعزا ، ورفع من اتبعه وعززه ، فاسلك بمن تسوسه وترعاه نهج الدين وطريقه الهدى وأقم حدود الله في أصحاب الجرائم على قدر منازلهم ، وما استحقوه . ولا تعطل ذلك ولا تهاون به ولا تؤخر عقوبة أهل العقوبة ، فان في تفريطك