محمد بن جرير الطبري

585

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

في ذلك لما يفسد عليك حسن ظنك واعزم على امرك في ذلك بالسنن المعروفة ، وجانب الشبه والبدعات ، يسلم لك دينك ، وتقم لك مروءتك وإذا عاهدت عهدا فف به ، وإذا وعدت الخير فانجزه ، واقبل الحسنة ، وادفع بها ، واغمض عن عيب كل ذي عيب من رعيتك ، واشدد لسانك عن قول الكذب والزور ، وابغض أهله ، وأقص أهل النميمة ، فان أول فساد امرك في عاجل الأمور وآجلها تقريب الكذوب والجرأة على الكذب ، لان الكذب راس المآثم ، والزور والنميمة خاتمتها ، لان النميمة لا يسلم صاحبها ، وقائلها لا يسلم له صاحب ، ولا يستقيم لمطيعها امر . وأحب أهل الصدق والصلاح ، واعن الاشراف بالحق ، وواصل الضعفاء ، وصل الرحم ، وابتغ بذلك وجه الله وعزه امره ، والتمس فيه ثوابه والدار الآخرة . واجتنب سوء الأهواء والجور ، واصرف عنهما رأيك ، واظهر براءتك من ذلك لرعيتك ، وأنعم بالعدل سياستهم ، وقم بالحق فيهم وبالمعرفة التي تنتهي بك إلى سبيل الهدى ، واملك نفسك عند الغضب ، وآثر الوقار والحلم ، وإياك والحده والطيرة والغرور فيما أنت بسبيله . وإياك ان تقول انى مسلط افعل ما أشاء ، فان ذلك سريع فيك إلى نقص الرأي ، وقله اليقين بالله وحده لا شريك له واخلص لله النية فيه واليقين به ، واعلم أن الملك لله يعطيه من يشاء ، وينزعه ممن يشاء ، ولن تجد تغير النعمة وحلول النقمه إلى أحد اسرع منه إلى حمله النعمة من أصحاب السلطان والمبسوط لهم في الدولة إذا كفروا بنعم الله وإحسانه ، واستطالوا بما آتاهم الله من فضله . ودع عنك شره نفسك ولتكن ذخائرك وكنوزك التي تدخر وتكنز البر والتقوى والمعدلة واستصلاح الرعية ، وعماره بلادهم ، والتفقد لأمورهم ، والحفظ لدهمائهم ، والإغاثة لملهوفهم . واعلم أن الأموال إذا كثرت وذخرت في الخزائن لا تثمر ، وإذا كانت في اصلاح الرعية وإعطاء حقوقهم وكف المؤنة عنهم نمت وربت ، وصلحت