محمد بن جرير الطبري

583

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

وأخرت ، ففرغ لذلك فكرك وعقلك وبصرك ورؤيتك ، ولا يذهلك عنه ذاهل ، ولا يشغلك عنه شاغل ، فإنه راس امرك ، وملاك شانك ، وأول ما يوفقك الله به لرشدك . وليكن أول ما تلزم به نفسك ، وتنسب اليه فعالك ، المواظبه على ما افترض الله عليك من الصلوات الخمس ، والجماعة عليها بالناس قبلك في مواقيتها على سننها ، في اسباغ الوضوء لها ، وافتتاح ذكر الله فيها وترتل في قراءتك ، وتمكن في ركوعك وسجودك وتشهدك ، ولتصدق فيها لربك نيتك . واحضض عليها جماعه من معك وتحت يدك ، وآداب عليها فإنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ثم اتبع ذلك الأخذ بسنن رسول الله ص والمثابرة على خلائفه ، واقتفاء آثار السلف الصالح من بعده ، وإذا ورد عليك امر فاستعن عليه باستخاره الله وتقواه ولزوم ما انزل الله في كتابه ، من امره ونهيه ، وحلاله وحرامه ، وائتمام ما جاءت به الآثار على النبي ص ، ثم قم فيه بما يحق لله عليك ، ولا تمل عن العدل فيما أحببت أو كرهت لقريب من الناس أو بعيد وآثر الفقه وأهله ، والدين وحملته ، وكتاب الله والعاملين به ، فان أفضل ما تزين به المرء الفقه في دين الله ، والطلب له ، والحث عليه ، والمعرفة بما يتقرب فيه منه إلى الله ، فإنه الدليل على الخير كله ، والقائد له ، والأمر به ، والناهى عن المعاصي والموبقات كلها وبها مع توفيق الله تزداد العباد معرفه بالله عز وجل ، واجلالا له ، ودركا للدرجات العلا في المعاد ، مع ما في ظهوره للناس من التوقير لأمرك ، والهيبة لسلطانك ، والأنسة بك والثقة بعدلك . وعليك بالاقتصاد في الأمور كلها ، فليس شيء أبين نفعا ، ولا احضر أمنا ، ولا اجمع فضلا من القصد ، والقصد داعيه إلى الرشد ، والرشد دليل على التوفيق ، والتوفيق منقاد إلى السعادة ، وقوام الدين والسنن الهادية بالاقتصاد ،