محمد بن جرير الطبري
439
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
وما كان فعل طاهر بقواد محمد ، وقد كان محمد كتب إلى داود بن عيسى يأمره بخلع عبد الله المأمون والبيعة لابنه موسى ، وبعث محمد إلى الكتابين اللذين كان الرشيد كتبهما وعلقهما في الكعبة فأخذهما ، فلما فعل ذلك جمع داود حجبه الكعبة والقرشيين والفقهاء ومن كان شهد على ما في الكتابين من الشهود - وكان داود أحدهم - فقال داود : قد علمتم ما أخذ علينا وعليكم الرشيد من العهد والميثاق عند بيت الله الحرام حين بايعنا لابنيه ، لنكونن مع المظلوم منهما على الظالم ، ومع المبغى عليه على الباغي ، ومع المغدور به على الغادر ، فقد رأينا ورأيتم ان محمدا قد بدا بالظلم والبغى والغدر على أخويه عبد الله المأمون والقاسم المؤتمن ، وخلعهما وبايع لابنه الطفل ، رضيع صغير لم يفطم ، واستخرج الشرطين من الكعبة عاصيا ظالما ، فحرقهما بالنار وقد رايت خلعه ، وان أبايع لعبد الله المأمون بالخلافة ، إذ كان مظلوما مبغيا عليه . فقال له أهل مكة : رأينا تبع لرأيك ، ونحن خالعوه معك ، فوعدهم صلاه الظهيرة ، وارسل في فجاج مكة صائحا يصيح : الصلاة جامعه ! فلما جاء وقت صلاه الظهر - وذلك يوم الخميس لسبع وعشرين ليله خلت من رجب سنه ست وتسعين ومائه - خرج داود بن عيسى ، فصلى بالناس صلاه الظهر ، وقد وضع له المنبر بين الركن والمقام ، فصعد فجلس عليه ، وامر بوجوه الناس واشرافهم فقربوا من المنبر ، وكان داود خطيبا فصيحا جهير الصوت ، فلما اجتمع الناس قام خطيبا ، فقال : الحمد لله مالك الملك ، يؤتى الملك من يشاء ، وينزع الملك ممن يشاء ، ويعز من يشاء ويذل من يشاء ، بيده الخير وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ واشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم ، واشهد ان محمدا عبده ورسوله ، ارسله بالدين ، وختم به النبيين ، وجعله رحمه للعالمين ، صلى الله عليه في الأولين والآخرين اما بعد يا أهل مكة ، فأنتم الأصل والفرع ، والعشيرة والأسرة ، والشركاء في النعمة ، إلى بلدكم نفذ وفد الله ، وإلى قبلتكم يأتم المسلمون ، وقد علمتم ما أخذ عليكم الرشيد هارون رحمة الله عليه وصلاته حين بايع لا بينه محمد وعبد الله بين أظهركم من العهد والميثاق