محمد بن جرير الطبري

425

تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )

بتخليه سبيله ، وذلك في ذي القعدة سنه تسع وثلاثين ومائه ، فكان عبد الملك يشكر ذلك لمحمد ، ويوجب به على نفسه طاعته ونصيحته - فقال : يا أمير المؤمنين ، انى أرى الناس قد طمعوا فيك وأهل العسكرين قد اعتمدوا ذلك ، وقد بذلت سماحتك ، فان أتممت على امرك أفسدتهم وابطرتهم ، وان كففت امرك عن العطاء والبذل اسخطتهم وأغضبتهم ، وليس تملك الجنود بالإمساك ، ولا يبقى ثبوت الأموال على الانفاق والسرف ، ومع هذا فان جندك قد رعبتهم الهزائم ، ونهكتهم واضعفتهم الحرب والوقائع ، وامتلأت قلوبهم هيبة لعدوهم ، ونكولا عن لقائهم ومناهضتهم ، فان سيرتهم إلى طاهر غلب بقليل من معه كثيرهم ، وهزم بقوة نيته ضعف نصائحهم ونياتهم ، وأهل الشام قوم قد ضرستهم الحروب ، وادبتهم الشدائد ، وجلهم منقاد إلى ، مسارع إلى طاعتي ، فان وجهني أمير المؤمنين اتخذت له منهم جندا تعظم نكايتهم في عدوه ، ويؤيد الله بهم أولياءه وأهل طاعته فقال محمد : فانى موليك امرهم ، ومقويك بما سالت من مال وعده ، فعجل الشخوص إلى ما هنالك ، فاعمل عملا يظهر اثره ، ويحمد بركته برأيك ونظرك فيه إن شاء الله فولاه الشام والجزيرة ، واستحثه بالخروج استحثاثا شديدا ، ووجه معه كنفا من الجند والأبناء وفي هذه السنة سار عبد الملك بن صالح إلى الشام ، فلما بلغ الرقة أقام بها . وانفذ رسله وكتبه إلى رؤساء أجناد أهل الشام بجمع الرجال بها ، وامداد محمد بهم لحرب طاهر . ذكر الخبر عن ذلك : قد تقدم ذكرى سبب توجيه محمد إياه لذلك ، فذكر داود بن سليمان انه لما قدم عبد الملك الرقة ، انفذ رسله ، وكتب إلى رؤساء أجناد الشام ووجوه الجزيرة ، فلم يبق أحد ممن يرجى ويذكر بأسه وغناؤه الا وعده وبسط له في امله وأمنيته ، فقدموا عليه رئيسا بعد رئيس ، وجماعه بعد جماعه ، فكان لا يدخل عليه أحد الا اجازه وخلع عليه وحمله ، فأتاه أهل الشام : الزواقيل والاعراب من كل فج ، واجتمعوا عنده حتى كثروا ثم إن